المسار التّائه للدّولة الفلسطينية

لمن ينصح بهذا الكتاب ؟

للمهتمين بمعرفة تاريخ فلسطين الحديث، وكيف تدرجت الأحداث السياسية حتى تمكن الصهاينة من إحتلال أغلب المساحة الجغرافية لفلسطين.

عن الكتاب

“المسار التّائه للدّولة الفلسطينية” كتاب يعالج التطور التاريخي لسعي الفلسطينيين لنيل الدولة، والتغيرات والتراجعات التي طرأت على الفكرة وعلى شكل الدولة وحجمها وصلاحيتها.

عن المؤلف

أ. د. محسن صالح أستاذ مشارك في الدراسات الفلسطينية، والمدير العام لمركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، والمشرف العام على إصدار التقرير الاستراتيجي الفلسطيني السنوي، والفائز الأول بجائزة بيت المقدس للعلماء المسلمين الشبان سنة 1997، وجائزة الامتياز في التدريس من الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا 2002.

ماذا سنتعلم في هذا الكتاب؟

  • فلسطين من الفتح إلى الإحتلال.
  • نحو دولة مستقلة عن بريطانيا.
  • إنشاء ” إسرائيل” وتراجع الحلم الفلسطيني.
  • من الدولة المحررة إلى دولة على جزء من الأرض.

المقدمة

كافح الشعب الفلسطيني لما يناهز التسعين عَامًا لنيل استقلاله وبناء دَوْلَة فلسطينية، لكن هذا الحلم ظل بعيد المنال. ففي هذا القرن أصبح الجميع له دولة إلا الفلسطيني، والكل يعود إلى وطنه بعد الغربة إلا الفلسطيني. وفي فلسطين يدفع الفلسطيني ثمن القهر والاحتلال والدمار، وخارج فلسطين يدفع الفلسطيني ثمن الغربة وَالتَّشْرِيد واللجوء. وفي حال أراد أن يحقق هذا الحلم، فإنه يصطدم بثمنه الباهظ في ظل الفرق الهائل في موازين القوى، وفي ظل أنظمة عربية عاجزة وحدود مغلقة وحصار خانق، وفي ظل بيئة دولية تستكثر عليه بَعْضًا من أرضه، وتنشغل بإرضاء الجلاد الإسرائيلي وضمان أمنه، أكثر مما تنشغل بإنصاف اَلضَّحِيَّة الفلسطيني وضمان حقوقه. وبما أن مسار التّسوية مسدود، فإن مسار المقاومة يسير عكس التيار الرّسمي العربي والإسلامي والدولي.

إن ما يثير الإحباط أن شعوب البلدان التي لا يقل عنها الفلسطينيون تحضراً وعلماً ونضالاً قد نالت استقلالها، ومع ذلك فإن الفلسطينيين لم ولن يتنازلوا عن حلمهم ولن يتوقفوا عن المقاومة. إنهم في مواجهة مستمرة مع مشروع صهيوني إحلالي توسعي، عالمي الدعم. وهو مشرع لا يستهدف الفلسطينيين وحدهم، بل يستهدف إبقاء العالم العربي ضعيفاً ومفكك الأوصال. ولهذا فتحقيق هذا الحلم لن يتأتى إلا بهزيمة المشرع الصهيوني، وهو أمر لايقوى على حمله الفلسطينيون وحدهم. ولابد من أن تعود هذه القضية إلى الحضن العربي والإسلامي، في إطار مشروع نهضوي يعيد للأمة عزتها وكرامتها وألقها.

فلسطين من الفتح إلى الاحتلال

إن اسم فلسطين يطلق على الجزء الجنوبي الغربي من بلاد الشام، وأقدم اسم لهذه البلاد هو أرض كنعان نسبة للكنعانيين، الذين جاءوا من جزيرة العرب قبل 4500 عام. ومع قدوم الإسلام سنة 636م، أسلم أغلبية أهل فلسطين، وتعرّبت لغتهم، واندمجوا مع القبائل العربية التي سكنت فلسطين، و توثقت الهوية الإسلامية لأرض فلسطين لأطول فترة تاريخية مستمرة منذ ذلك الوقت.

وقد عاش أهل فلسطين، لأربعة قرون تحت حكم الدولة العثمانية، محكومين بمشاعر الانتماء الإسلامي والولاء للخلافة العثمانية. وكانت التقسيمات الإدارية العثمانية في بلاد الشام مرتبطة بالمصالح التي يرتئيها الباب العالي لإدارة الدولة. وكانت آخر التقسيمات العثمانية لفلسطين تجعل المنطقة الجنوبية والوسطى منها، إلى خطّ يسير شمالي يافا وحتّى أريحا، سنجقاً يسمّى سنجق بيت المقدس، أما شمال فلسطين فيتبع ولاية بيروت.

وقد أيد الكثير من الفلسطينيين اندلاع الثورة العربية عام 1916 بقيادة الشريف حسين بن علي، الذي كان يرغب بأن تكون فلسطين جزء من الدولة العربية، ولكن ظهور الكيان الصهيوني حال دون ذلك. وترجع أسباب نشأة الحركة الصهيونية إلى بروز نزعات صهيونية وسط مسيحيي أوروبا، تدعوا إلى تجميع اليهود في فلسطين، بعد الاضطهاد الذي لاقوه على يد الروس، مما سبب المشكلة اليهودية، بالإضافة إلى فشل حركة الاستنارة اليهودية “الهسكلا” في دمج اليهود في المجتمعات التي يعيشون فيها. أما المنظمة الصهيونية العالمية فقد تأسست في بال بسويسرا في أغسطس 1897م بقيادة ثيودور هرتزل، وربطت نفسها بالمشروع الاستعماري الغربي، ولكنها فشلت في الحصول على شيء ذي قيمة حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، عندما احتلت بريطانيا فلسطين.

نحو دولة مستقلة عن بريطانيا

إن الاتفاق بين بريطانيا وفرنسا على تقسيم العراق والشام كان في مايو 1916، وسمي باتفاق سايكس بيكو Sykes-Picot. ونص على أن تكون العراق وحيفا للبريطانيين، أما لبنان وسوريا فكانت من نصيب الاحتلال الفرنسي. وقد وضِعت فلسطين تحت إشراف دولي نظراً لرغبة كل الأطراف في احتلالها. ووعدت بريطانيا الشريف حسين بوطن عربي موحّد ومستقل، وذلك مقابل وقوفه معها ضد العثمانيين، ولكن بريطانيا تنكرت لوعدها. وفي 2 نوفمبر 1917 وعدت بريطانيا الصهاينة بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وكان هذا الوعد هو وعد بلفور، وعد من لا يملك لمن لا يستحق.

وبعد احتلال بريطانيا شمال فلسطين وشرق الأردن وسورية ولبنان في 1918، افتتحت مشروع تهويد منظم لفلسطين، وأقنعت فرنسا بالتخلي عن مشروع تدويل فلسطين، مقابل أن تتخلى بريطانيا عن دعمها للحكومة العربية في دمشق بقيادة فيصل بن الشريف حسين، كي تتمكن فرنسا من احتلال سورية، وكان ذلك اتفاق سان ريمون Saint Rimon في إبريل 1920.

وفي سبيل توفير غطاء دولي لها، استصدرت بريطانيا قرارا دوليا من عصبة الأمم في 24 يوليو 1922 بانتدابها على فلسطين، وضمّنت وعد بلفور في صك الانتداب، بحيث أصبح التزام دولي ورسمي.

إن فكرة الانتداب التي ابتدعتها عصبة الأمم، تقوم على أساس مساعدة الشعوب المنتدبة وإعدادها لنيل استقلالها.

وقد تضمن صك الانتداب على فلسطين مسؤولية بريطانيا في الارتقاء بمؤسسات الحكم المحلي، وصيانة الحقوق المدنية والدينية لجميع سكان فلسطين. ولكن تضمين بريطانيا لوعد بلفور يعني وقوف بريطانيا نفسها عائقاً في وجه أبناء فلسطين وضد الارتقاء بمؤسساتهم وإقامة دولتهم. وقد أرادت بريطانيا بكتابة نصوص متعلقة بحقوق الفلسطينيين أن تظهر بمظهر الوسيط العادل بين الطرفين العربي واليهودي، ولكنها في واقع الأمر تسوف وتماطل حتى تنتهي من ترسيخ وطن قومي لليهود في فلسطين.

وبموجب الاتفاق البريطاني – الفرنسي، تحددت الحدود بين فلسطين ولبنان وسورية. أما حدود فلسطين مع شرق الأردن فقد حددها مندوب بريطانيا السامي في 1 سبتمبر 1922. وبعد نهاية الحرب العالمية الأولى، سقط الحكم العثماني في فلسطين، وسقطت فلسطين بدورها في يد الاحتلال البريطاني. ولطالما رغب الفلسطينيون في أن يكونوا جزء من الدولة العربية التي يقودها الشريف حسين في مكة، ولكنهم بعد ذلك اعتبروا أنفسهم تابعين للحكومة العربية التي تشكلت في بداية أكتوبر 1918 بزعامة ابنه فيصل.

وكانت فلسطين تُعتبر سورية الجنوبية حتى سقوط الحكم الفيصلي في سورية، وبداية الاحتلال الفرنسي لسورية في 24 يوليو 1920. وهذا السقوط للحكم الفيصلي في سورية، جعل الفلسطينيين يقودوا معركة استقلالهم من المحتل البريطاني بأنفسهم، وبالتالي، فإن فكرة الدولة القُطرية التي تتسم بالاستقلالية عن غيرها وبحدود جغرافية تميزها، كانت فكرة مُستحدثة جاءت أساساً نتيجة التعامل الواقعي مع الأوضاع التي فرضها المستعمر الأجنبي.

قام الفلسطينيون بالعديد من الانتفاضات والثورات في سبيل تحقيق مطالبهم. وتحت ضغط الثورة الفلسطينية سنة 1936، اضطر البريطانيون لتشكيل لجنة بيل التي اوصت بتقسيم فلسطين إلى دولتين: دولة يهودية ودولة عربية، مع إبقاء مناطق تحت الانتداب البريطاني. رفض الفلسطينيون هذا الاقتراح مما جعل البريطانيين يلغون مشروع التقسيم، واصدرت بريطانيا الكتاب الأبيض الذي أكد أن بريطانيا غير عازمة على إقامة دولة يهودية في فلسطين، وأنه بعد عشر سنوات سوف تقام دولة فلسطينية، يتقاسم فيها العرب واليهود المسؤولية والسلطة بما يحقق مصالح الطرفين.

شكل كتاب مكدونالد الأبيض انتصاراً سياسياً مرحلياً للعرب، وبعد أن انتهت الحرب العالمية تصاعدت الضغوط على بريطانيا لإلغاء الكتاب الأبيض. وفي 14 نوفمبر 1945 أصدر وزير الخارجية البريطاني بيفن Bevin بيان تخلت فيه بريطانيا رسمياً عن كتاب مكدونالد الأبيض، بينما دخلت الولايات المتحدة لاعباً رئيساً مباشراً في القضية الفلسطينية.

إنشاء ” إسرائيل” وتراجع الحلم الفلسطيني

بعد أن رفعت بريطانيا سنة 1947 قضية فلسطين إلى الأمم المتحدة، رغبة منها في إنهاء انتدابها على فلسطين، أصدرت الأمم المتحدة بدورها قرار تقسيم فلسطين. وفي هذا القرار أعطت الأمم المتحدة 54.7% للدولة اليهودية و 44.8% للفلسطينيين، وأبقت نحو نصف في المائة لمنطقة القدس لتوضع تحت إدارة دولية.

وكان قرار تقسيم فلسطين مخالفاً لأحد أهم أهداف الأمم المتحدة، والذي يقضي بحق الشعوب في تقرير مصيرها. وبما أن الجمعية العامة للأمم المتحدة ليست لها سلطة التصرف في الأقاليم التي تحت الانتداب ومنها فلسطين، فإن قرار التقسيم لا يعدو عن كونه توصية غير ملزمة لا سند قانوني لها. بالإضافة إلى مخالفة القرار للعدل في مراعاة نسبة السكان وملكية الأرض.

تزايدت أعداد اليهود خلال الفترة بين 1918 و 1948 من 8% إلى 31.7%، وفي نفس الفترة تضاعفت نسبة ملكية اليهود للأرض من نصف مليون دونم إلى 1.7 مليون دونم، انتقلت إلى اليهود على الأغلب من الحكم البريطاني أو من أيد إقطاعية غير فلسطينية. وعلى الرغم من المعاناة والظروف القاسية، إلا أن الفلسطينيين صمدوا في أرضهم طيلة الثلاثين عام، واحتفظوا بأغلبية سكانية تبلغ 86.3% واغلبية جغرافية تبلغ 93.3%. وبعد ذلك استطاع الصهاينة أن يبنوا جميع مؤسساتهم تحت حماية البريطانيين، وفي عام 1948 أسسوا 292 مستعمرة، ودربوا 70 ألف مقاتل من منظمات الهاغانا و الأرغون وشتيرن.

وفي مساء 14 مايو 1948 أعلن الصهاينة قيام دولة إسرائيل، واستطاعوا هزيمة الجيوش العربية التي مثلت نموذجاً لسوء القيادة وضعف التنسيق قلة الخبرة. واستحوذ الصهاينة على 77% من أرض فلسطين، وشردوا 800 ألف فلسطيني من المنطقة التي أقاموا عليها كيانهم. وأصبح المجموع الكلي للفلسطينيين في نهاية 1948 نحو 1.4 مليون نسمة. ووافقت الأمم المتحدة على دخول إسرائيل في عضويتها شريطة أن تسمح بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم، ولكن الكيان الصهيوني لم يفعل ذلك البتة.

استمر الحُلم الفلسطيني بالتراجع بعد كارثة حرب 1948 ومأساة التشرد واللجوء، وحتى ما تبقى من فلسطين لم يكن متاحا لتحقيق بعض ذلك الحلم، فقد ضمت الأردن الضفة الغربية رسمياً إليها كما وضعت مصر قطاع غزة تحت إدارتها.

من الدولة المحررة إلى دولة على جزء من الأرض

إن احتلال إسرائيل للبقية الباقية من فلسطين، أي الضفة الغربية وقطاع غزة، واحتلالها لسيناء المصرية والجولان السورية، كان من أبرز نتائج حرب 1967. وبذلك يصبح مجموع ما سيطرت عليه إسرائيل من الأراضي

نحو 89،359 كم2. وشردت إسرائيل نحو 330 ألف فلسطيني، وسيطرت على منابع مياه الأردن، واستطاعت فتح مضائق تيران وخليج العقبة للملاحة الإسرائيلية؛ وشكّلت إسرائيل خطوط دفاع جديدة، ووفّرت لنفسها عمقاً استراتيجياً يسهل الدفاع عنه.

وبسيطرة الاحتلال على ما تبقى من الأراضي الفلسطينية والعربية، أصبح الشغل الشاغل للعرب هو استرجاع الأراضي الجديدة التي احتلها الصهاينة سنة 1967، ولم يعد هدفهم تحرير فلسطين المحتلة سنة 1948. وبهذا ظهر الضعف العربي وتبخرت الآمال في قيادة عبد الناصر، وفي الشعارات القومية لتحرير فلسطين، وشعر الفلسطينيون بأهمية أخذ زمام المبادرة، والتخلص من حالة الهيمنة والوصاية العربية الغير نافعة. ووافقت الأنظمة العربية على فتح المجال أمام العمل الفدائي الفلسطيني، تنفيسا عن مشاعر الجماهير العربية، وتوجيها لغضب ثورتها ضد العدو الصهيوني.

الخاتمة

إن من الجليّ البيّن أن الدولة الفلسطينية التي يحلُم بها الفلسطينيون لا تزال بعيدة المنال؛ ويظهر أن الظروف الواقعية والموضوعية والاعتبارات الإسرائيلية لا تزال المعطّل الرئيسي لإنشاء الدولة وفق منظور المفاوض الفلسطيني أو العربي. وسارت الرياح المتحكمة في قيام الدولة الفلسطينية بغير ما تشتهيه سفينة الشعب الفلسطيني وقيادته. ولم تتحرك العوامل المؤثرة وفق مقتضيات العدل والحق، بقدر ما تحركت وفق مقتضيات المصالح وموازين القوى. وإذا كان الشعب الفلسطيني قادرا على الصمود في أرضه والحفاظ على وهج قضيته على الانتفاض والمقاومة؛ فإن مشروع التحرير وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة، هو أثقل مما يمكن أن تتحمله أقدام هذا الشعب في مواجهة مشروع صهيوني ذي طبيعة عالمية وقوى كبرى طاغية تقف بحرابها خلف هذا المشروع الإحلالي.


Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *