نقد الاقتصاد السياسي

???? الموجز الصوتي من كتاب نقد الاقتصاد السياسي

لمن ينصح بهذا الكتاب؟

للنُقاد الاقتصاديون ودارسي علم الاقتصاد السياسي والمهتمون بالشؤون المالية  على حد ﺳﻮاء.

عن الكتاب

كتاب (نقد الاقتصاد السياسي)، صدر في ٢٠١٩، يفتح فيه المؤلِّف العديد من الملفات المَطوية في علم الاقتصاد السياسي، فهو يرفض كلَّ ما هو مُعطًى في هذا العلم، ومن ثَمَّ ينقد نصوصَ رجاله المؤسِّسين وتُراثَهم، باحثًا في التاريخ الموازي، والمسكوت عنه، لظواهر الإنتاج والتوزيع على الصعيد الاجتماعي، منقِّبًا في التاريخِ الحضاري والإنساني.

عن المؤلف

محمد عادل زكي: مفكِّر مصري يُعَد من أبرز مجدِّدي علم الاقتصاد السياسي في العالم العربي، ومؤسِّس مدرسة الإسكندرية كتيارٍ فكري هدفه إحياءُ الاقتصاد السياسي بصفته علمًا اجتماعيًّا، وإعادةُ النظر في مسلَّماته ونظرياته. من أهم مُساهَماته نقدُه الحاسم لنظرية التبادل غير المتكافئ، وتصحيح مقياس القيمة بعد أكثر من مِائتَي سنة من كتابات «ماركس». وتُعَد نظريته في تسرُّب القيمة على الصعيد العالمي من النظريات المهمة في تفسير تخلُّف بلدان العالم الثالث.

ماذا سنتعلم في هذا الكتاب؟

  • الاقتصاد السياسي.
  • مكونات المركزية الأوروبية.
  • دور المركزية الأوروبية في تشكيل الاقتصاد السياسي.

المقدمة

إن علم الاقتصاد السياسي هو العلم الاجتماعي المنشغل بقانون القيمة، الحاكم لظاهرتَي الإنتاج والتوزيع على الصعيد الاجتماعي، والذي استوجب من جهة تكوين الوعي النَّاقد بمحددات وقوى ظاهرتَي الإنتاج والتوزيع الاجتماعيّين وما يرتبط بهما من إشكاليات تاريخية وهيكلية وآنية. ومن جهة ثانية، نقد قانون القيمة نفسه. من أجل ذلك تعين السير وفق منهجية ناقدة هدفها الإجابة عن بعض الاسئلة المطروحة أو التي يفرضها الواقع.

منها ما تعلق بالتكوين العضوي لجسم علم الاقتصاد السياسي، ومنها ما تعلق بشكله الخارجي، أي بالطرح التاريخي للأفكار الجاعلة منه علماً أوروبياً خالصاً، تم إفراغه من محتواه الحضاري، الأمر الذي يحتم إعادة فتح العديد من الملفات المطوية تاريخياً على موروثً زائف ومسّلمات هشة، ورفض كل ما اُعطي في علم الاقتصاد السياسي، ونقد نصوص وتراث مؤسسيه، بحثاً في التاريخ المسكوت عنه، لظواهر الانتاج والتوزيع على الصعيد الاجتماعي، والتنقيب في التاريخ الحضاري الإنساني، لا التاريخ الأوروبي الذي اتخذته أوروبا اساساً لتاريخ البشرية ومقياساً لتطورهم. مع محاولة الإجابة عن الاسئلة المتعلقة بمعالم تطور علم الاقتصاد السياسي كعلم اجتماعي، هدفه إزاحة الستار عن القوانين الحاكمة للإنتاج والتوزيع في المجتمع ابتداءً من قانون القيمة، وصولاً الى التعرف على أسباب اختفاء علم الاقتصاد السياسي من الوجود الأكاديمي وتراجعه الى حقل التاريخويّة في تصور النظرية الرسمية.

الاقتصاد السياسي

إن الاقتصاد السياسي علم إجتماعي هدفه الكشف عن القوانين الموضوعية الحاكمة للإنتاج والتوزيع في المجتمع الزمكاني والقوانين المتمفصلة حول قانون القيمة. فمن اليسير على الملاحظ أن يرصد هذا الكم الهائل من السلع الذي نراه، فكل حياتنا صارت مرتبطة بحال أو بآخر بالسلع بمختلف استخداماتها الضرورية والغير ضرورية.

ولأن الربح، كقاعدة عامة، هو الهدف النهائي للنشاط الاقتصادي، فلا يتعين على الرأسمالي أن يعمل على إشباع الحاجات الاجتماعية، فكل ما يهم الرأسمالي هو تحقيق أقصى ربح ممكن بأقل نفقة ممكنة، وهو ما يمكن تحقيقه من خلال عملية ازدياد القيمة. إذ ظهر الاقتصاد السياسي كي يُوضح كيف تزيد هذه القيمة، فالرأسمالي يشتري أدوات العمل مثلا بتسعة وحدات، ومواد العمل بثلاثة وحدات، وقوة العمل بأربعة وحدات، ولكنه لن يفعل ذلك إلا بقصد الربح، فإذا وجد بين يديه بعد الإنتاج وقبل البيع، نفس الستة عشر وحدة التي بدأ بها، فلن يُقدم على هذا الاستثمار بالأساس.

إنه يدفع للعامل أربعة وحدات ويأخذ منه عملا يفوق قيمة هذا الأجر، والفارق بين ما دفعه الرأسمالي للعامل، وما أنتجه هذا العامل، هو المظهر الكمي أو القيمة الزائدة. أما المنتوج الزائد نفسه فهو مظهرها المادي. والقيمة الزائدة على هذا النحو يمكن أن يستخلصها الرأسمالي من الأطباء أو المحاسبين الذين يعملون لديه أُجراء في مؤسساته الرأسمالية، كما يستخلصها تماما من العمال المأجورين في مصنعه.

ولكن هل الرأسمالي هو الذي يحدد بإرادته المنفردة والمستقلة، مقدار ما يستأثر به من قيمة زائدة كربح؟

هنا يتبدى المستوى الثالث من مستويات ظهور الاقتصاد السياسي، مستوى التوزيع، فلو افترضنا أن الأرض التي شيَّد عليها الرأسمالي مصنعه مستأجرة، وتتميز عن غيرها بالخصوبة النسبية، وافترضنا أيضا أن الرأسمال الذي يستثمره الرأسمالي هو رأسمال مقترض من أحد المصارف، فسوف يتم توزيع الزيادة التي تحققت اجتماعيا بين الطبقات المختلفة على هيئة دخول، كالآتي:

  • طبقة العمال سوف تحصل على دخلها في صورة أجر العمل.
  • طبقة ملاك الأراضي ستحصل على دخلها في صورة الريع المطلق، والريع الفرقي. فالريع المطلق هو ما يدفعه المزارع عينًا أو نقدا لصاحب الأرض لقاء استغلاله لأرضه بصرف النظر عن درجة خصوبة التربة أو إمتياز الموقع. أما الريع الفرقي، فيحصل عليه صاحب الأرض للتميُّز أو لخصوبة أو لحسن موقع أرضه.
  • طبقة الرأسماليين الماليين النقديين ستحصل على دخلها في صورة فائدة، التي هي عائد تجميد النقود في أصل رأسمالي، أو ثمن التخلي عن الرأسمال كسلعة.
  • طبقة الرأسماليين الصناعيين ستحصل على دخلها في صورة ثمن المغامرة، وتحمل مخاطر المشروع.

تلك القيمة الزائدة، حين تتوزع على هيئة دخول، يُسميها سميث وريكاردو الثمن الطبيعي. وهو الثمن الذي لم يقع بعد تحت تأثير قوى السوق.

مكونات المركزية الأوروبية

قادت عقيدة المجد الروماني أوروبا نحو حروب مفتوحة، قامت من خلالها بترسيخ سطوتها الفكرية، الواقعة على الشعوب التي نهبتها. والواقع أن أوروبا المنتصرة فرضت قيمها وثقافتها ومفاهيمها وحضارتها بوجه َعام، واستبعدت من التاريخ الملحمي للإنسانية، تاريخ الشعوب المنهوبة، فقدمت علمها بعد تقطيع أوصال وفصل علم اليونان عن جذوره المعرفية الشرقية، وقدمت تاريخها على أنه التاريخ الحقيقي للعالم، وأرخت للعالم المنهوب إبتداء من تاريخها الذي هو في حقيقته تاريخ الذهب والدم، وقدمت دينها ابتداءً من عنصريتها، فكان يسوع الأبيض بملامحه الأوروبية لقمع الشعوب غير البيضاء وازدراء كل ما هو غير أوروبي، وقدمت نظمها السياسية بعد وصم كل النظم الأخرى بالتخلف والرجعية والبلادة، وقدَمت لغتها ابتداءً من كونها اللغة النبيلة المتحضرة المنتجة لثقافة العصر الحديث، وقدمت ثقافتها ابتداءً من كونها الثقافة الراقية الوحيدة الممكنة إنسانيا. على هذا النحو تكونت المركزية الأوروبية من أربعة عناصر لا يمكن الفصل بينها، وهي:

  1. رؤية أحادية تؤرخ لتطور العالم ابتداء من تاريخ تطور أوروبا.
  2. إعادة تصدير هذا التأريخ إلى العالم بأسره. بحيث تصبح أوروبا مقياس التطور والتقدم والتحضر.
  3. إهدار، بل نفي، كل المساهمات التي قدمتها الحضارات الأخرى للتراث المشترك للإنسانية، والتي سطت عليها أوروبا فعلا ونسبتها إلى نفسها.
  4. إعتناق الأجزاء المغلوبة (المستعمرة، التابعة، المتخلفة) لتصور الأوروبي المنتصر (المستعمر، المتبوع، المتقدم) للعالم وللتاريخ، وهذا هو البعد النفسي في المركزية الأوروبية.

المشكلة أن الأجزاء (المستعمرة، التابعة، المتخلفة)، من العالم المعاصر، صدقت المركزية الأوروبية واتبعت خطاها فأضاعت خصوصيتها الاجتماعية وأَهدرت الفرص المدهشة لاستلهام الحياة من تاريخها الضائع. والأخطر أنها ساهمت بفاعلية، مع غرب أوروبا، في تشويه العلم الاجتماعي وتصفيته من محتواه الحضاري، فلم يعد العلم الاجتماعي تراكما حضاريٍا، لم يعد بناءً ساهمت في تشييده الإنسانية عبر حركة التاريخ الملحمية العظيمة، بل عد نتاجا أوروبيا خالصا وصار لها ملكا كاملا، ولم يدخر المفكر الأوروبي وسعا في سبيل تأكيد وترسيخ ذلك. كما لم نَدخر نحن، كأجزاء متخلفة، وسعا في سبيل تأكيد ما أراد المفكر الأوروبي تأكيده.

إن أزمة الذهن العربي لا تكمن في تبعيته لأفكار ونظريات الذهن الغربي فحسب، بل وكذلك في تبعيته للطريقة التي ينتج بمقتضاها الذهن الغربي أفكاره ونظرياته، فالذهن العربي حينما ينتقد المركزية الأوروبية، يتبع نفس منهج الذهن الغربي الذي يهدف إلى اكتشاف “أوروبي” للأجزاء الأخرى من العالم المعاصر.

دور المركزية الأوروبية في تشكيل الاقتصاد السياسي

تبرز هيمنة المركزية الأوروبية في حقل الاقتصاد السياسي في اتخاذه من أوروبا مقياسا لمراحل التطور الاقتصادي والاجتماعي. فلقد مرت أوروبا، بثلاث مراحل تاريخية، تميزت الأُولى بهيمنة العبودية، والثانية بسيادة الإقطاع، والثالثة بانطلاق الرأسمالية، وبالتالي اُتُّخذ من هذه المرحلية التاريخية مقياس لمراحل تاريخ باقي الأجزاء المكونة للعالم، إذ يجب أن تمر، بحال أو بآخر، كل الأجزاء بنفس المراحل التي مرت بها أوروبا، وهو ما اقتضى تصدير هذه المرحلية، كمرحلية مقدسة، واستلزم الأمر بالتبع إعادة كتابة التاريخ، أو تحريفه ومسخه وتزويره، كي يتوافق، وبالقوة المسلحة، مع اختيار حركة التاريخ لبلدان أوروبا كي تصير مقياسا حضاريا للتطور دون غيرها من بلدان الكوكب.

لقد اُعتبرت الرأسمالية نظاما اقتصاديا أوروبيا خالصاً، وهو ما استلزم اعتبار أي ممارسة تاريخية سابقة على الرأسمالية الأوروبية محض ممارسة عشوائية بلا هوية، وربما لا وجود لها.

لقد تم نقد المركزية الأوروبية ابتداءً من منطلقات ومسلمات ومفاهيم المركزية الأوروبية نفسها. فحينما تبدت الصعوبة التاريخية في الاتخاذ من المرحلية التاريخية المقدسة (عبودية، إقطاع، رأسمالية) مقياسا لتطور باقي الأجزاء المكونة للعالم، ابتداءً من قراءة أوروبية، عابرة لتاريخ النشاط الاقتصادي في هذه الأجزاء، تم الاتجاه إلى نقد المركزية الأوروبية بمرحلتيها المقدسة، من منظور نفس المركزية الأوروبية، فتم إنتاج العديد من النظريات التي لا تقل غرابة عن إتخاذ أوروبا مقياسا لتطور العالم، منها نظرية نمط الإنتاج الآسيوي مثلا، التي ترى ابتداء من الخلط المزمن بين شكل التنظيم الاجتماعي وقوانين الحركة الحاكمة للإنتاج والتوزيع داخل هذا التنظيم الاجتماعي، أن العالم غير الأوروبي لم يمر بنفس المراحل التاريخية التي مر بها العالم الأوروبي! حسنًا، ثم تنفي عن العالم غير الأوروبي جميع مظاهر النشاط الاقتصادي المتقدم التي عرفها العالم الأوروبي. فالرأسمالية، لدى هؤلاء الذين ينتقدون المركزية الأوروبية، لا يمكن أن تكون غير أوروبية.

الخلاصة

تلخص هذا الكتاب في إعادة طرح علم الاقتصاد السياسي، ذلك العلم الاجتماعي المنشغل بقانون القيمة، القانون الحاكم لظاهرتي الإنتاج والتوزيع على الصعيد الاجتماعي، وهو ما استلزم، من جهة تكوين الوعي الناقد بمحددات وقوى ظاهرتي الإنتاج والتوزيع الاجتماعيين وما يتعلق بهما من إشكاليات تاريخية وهيكلية وآنية، كما استوجب من جهة أخرى نقد قانون القيمة نفسه.

وفي سبيل ذلك كان من المتعين السير فكرياً وعلى نحو ناقد، وفق منهجية هدفها الإجابة عن مجموعة من الأسئلة منها ما ارتبط بالتكوين العضوي للجسم النظري لعلم الاقتصاد السياسي، الذي تكون من خلال مساهمات الآباء المؤسسين. ومنها ما ارتبط وتعلق بالشكل الخارجي لهذا الجسم النظري، أي بالطرح التاريخي للأفكار والظواهر التي كونت الإطار المعرفي للعلم نفسه، فجعلت منه علماً أوروبياً خالصاً وأفرغته من محتواه الحضاري. الأمر الذي استلزم فتح العديد من الملفات المطوية تاريخياً على مسلمات هشة وموروث زائف، ولذا تم التطرق في الكتاب إلى معنى الاقتصاد السياسي، ودور المركزية الأوروبية في تشكيله.

[wpse_comment_form]


Comments

رد واحد على “نقد الاقتصاد السياسي”

  1. الصورة الرمزية لـ خضر عباس علي
    خضر عباس علي

    كتاب مهم يحتاج الى تركيز و اهتمام لما يترتب عليه من قضايا تطبيقية تتعلق بحياة البشر ليس فقط اقتصاديا بل سياسيا و اجتماعيا و امنيا في كل مجالات الحياة … انها لجرأة فكرية للاستاذ محمد عادل و هذا يعكس مديات قدراته و امكانيته الاكاديمية و اقتداره و تمكنه في ميدان الاقتصاد السياسي … كل التحايا الطيبة له

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *