لمن ينصح بهذا الكتاب؟
- لمن يريد معرفة علاقة الهوية بالثقافة.
- لمن يريد معرفة كيف ومما تتكون الثقافة، وهل هي إرث جامد أم حركة فِكرية مستمرة؟
- لمن يرغب بمعرفة علاقة سيادة الأفكار والثقافة بالهيمنة المادية.
عن الكتاب
(سوسيولوجيا الهوية) هو كتاب يبحث في سؤال الهوية والثقافة، ويناقش إشكاليات سوسيولوجيا الهوية والمقاربات المختلفة حولها.
عن المؤلف
الدكتور عبد الغني عماد، أستاذ وعميد سابق في معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، حاصل على دكتوراه دولة في علم اجتماع المعرفة، وله العديد من الأبحاث والدراسات في سوسيولوجيا المعرفة والسياسة والدين، وقد صدر له نحو 38 كتاباً ومؤلفاً.
الأفكار الرئيسية
- الهوية والثقافة والوعي. التأصيل الأيديولوجي.
- الهوية والثقافة والوعي. التفريغ الأيديولوجي.
- الثقافة والديناميات البانية للهوية.
- جدلية الدين والثقافة والهوية.
المقدمة
إن اعتبار الهوية الثقافية إرث ثقافي، يجعل من السهل تصور سلوكيات وسمات ووظائف حاملي هذه الهويّة، كونها تنتقل إليهم كإرث، وتُشكّل السيرورات الأولية لدمج الفرد في الثقافة وتكييفه مع المجتمع، وبهذا المفهوم الضيق تصبح الهويّة هي الضامنة للحصول على ثقافة موروثة، وهي المحافظة على هذه الثقافة والناقلة لها من جيل إلى آخر.
وغير صحيح أن تَشَكُّل الهويّة هي عملية محددة ومغلقة، لأن السلوك الإنساني يتبع لمحركات ضبط وتنظيم تؤدي إلى تجديد وإبداع في الحركة الثقافية التي هي أصلاً غير جامدة، وبالتالي فإن التيار النظري المنهجي يركن إلى مقاربة ثقافية دينامية، حركية، تنظر إلى الفرد كفاعل اجتماعي، يؤثر ويتأثر ويفعل ويتفاعل، في بيئة اجتماعية وثقافية معيّنة، ليغدو الولاء والانتماء من الخيارات التي يشارك الأفراد في صناعتها.
وبهذا التصور الدينامي للثقافة، يُنظر إلى الهويّة كجدل إنساني اجتماعي، وكسيرورة، أي حركة متتالية، مكوّنة لنسق يحمل معنى عند الفرد المتفاعل مع الآخرين ومع النسق الرمزي بشقيه الموروث والسائد.
وكون الهويّة سيرورة جدلية بين الموروث والسائد، فإنها تراعي الفرق بين الفرد والآخر ومطابقته مع جماعته. وبهذه المقاربة يتسنّى فهم كيف يكون الفرد أحد عوامل البناء في ثقافته وهويته الذاتية، وكيف يكوّن الأفراد أنظمة ثقافية جماعية جديدة.
الهوية والثقافة والوعي. التأصيل الأيديولوجي
لقد قدمت الماركسية تفسيرات جديدة ومثيرة للنقاش حول الوعي الاجتماعي، حيث اعتقدت بأسبقية الطبيعة للوعي، لذا فهي المصدر الوحيد للأحاسيس والتصورات، ولذا، فالوعي الاجتماعي يتغير بتغير عناصر الوجود الاجتماعي.
وبحسب ماركس، فإن التاريخ هو التوجيه الواعي للطبيعة الأساسية الإنسانية، المتمثلة بقدرته التقنية والمسؤولة عن إدراكه عمليات وأنماط عيشه وحياته، فلا يختلف الناس فيما بينهم بسبب اختلافات أساسية في طبائعهم، بل بسبب أساليب عيشهم وطرق عملهم المُلبية لحاجاتهم، والمُحددة لوعيهم وتنظيمهم الاجتماعي.
وبُناءً على ذلك، فإن الماركسية تؤكد أن الأفكار هي نتيجة طردية لعلاقات الإنتاج المادية، أي أن الأفكار السائدة هي نتيجة للهيمنة المادية، وهذا يعني أن أفكار الطبقة الغنية أو المسيطرة، هي السائدة.
أما الوعي -بحسب ماركس وأنجلز- لايعدو عن كونه وجوداً تدركه وتحدده الحياة، بينما الوعي الاجتماعي -حسب ماركس- أما أن يكون تلقائي يعتمد على الإنتاج المُباشر وهو وعي قطيعي، أو أن يكون وعي تأملي يعتمد على التفكير، ولكن أي وعي يمثل واقعه المادي الذي نشأ فيه، حيث أن مظاهر الوعي التأملي تتأثر بشكل مباشر بالعامل الاقتصادي.
وبِخلاف غرامشي الذي رأى أن الهيمنة تصبح ثقافية وفِكرية، بسبب تبني المجتمع أفكار الثقافة المسيطرة، فقد أعاد جورج لوكاش الاعتبار للذات، واعتبر أن التاريخ هو نِتاج التفاعل بين الذات والموضوع.
ولقد رأت مدرسة فرانكفورت، أن الهيمنة لم تعد مرتبطة بالنمط المادي الإنتاجي، بل بالتشكل الحيوي للوعي الإنساني، حيث يؤدي الإعلام دوراً هاماً في صناعة ثقافة وأفكار الأفراد، بينما يتحكم أصحاب السلطة بما اكتسبه الأفراد من فِكر وثقافة.
الهوية والثقافة والوعي. التفريغ الأيديولوجي
يرى إميل دوركهايم أن بداخل كل فرد ضميرين: الأول، ضمير فردي ذاتي، أما الثاني فهو ضمير جمعي يتكوّن من أنماط القيم والعادات والأفكار والأحاسيس المعبرة عن الفرد وجماعته، وأنه نواة الهوية الجمعية. ويعتقد دوركهايم أن التصور الجمعي هو أعظم خريطة نفسية يرسمها العقل ويسير عليها الأفراد.
وحسب وصفه، فإن هذا التصور أشبه ما يكون بقالب صب فيه الأفراد أفعالهم وسلوكياتهم بحيث تصبح وقائع مجمدة بشكل نماذج مقولبة، انتقلت إلينا من الأجيال السالفة.
ويرى أن للجماعة تفكير وسلوك وشعور مغاير لتفكير وسلوك وشعور أفرادها وهم منفردين، وهذا يعني أن التجمع يُنتج وعي جمعي وهوية اجتماعية.
وفي أطروحة وتفسيرات كارل مانهايم المُضمّنة في كتابيه سوسيولوجيا المعرفة والطوبى، رأى أنه من المجانب للصواب الاعتقاد بأن الأفكار المحركة للفرد غير موجودة في غيره، لأن التفكير يقوم به الناس في جماعات معينة، وفي سياقات كانت قد طورتها وجعلتها أسلوب تفكير خاص بأفرادها، وهذا هو تشكل الهوية الثقافية.
إن مصطلحي الجماعة والمجتمع يشيران إلى نوع الإرادة، فالجماعة تشير إلى الإرادة الطبيعية، أما المجتمع فيشير إلى الإرادة العقلية، وهناك تمايز في العلاقات في كلاهما، فمثلاً نجد أن الإرادة الطبيعية في الجماعة تتمثل في علاقات أساسية مسيطرة كالدين والنسب والقرابة والولاء، بينما إرادة المجتمع تتمثل علاقاته بالضبط والنفعية والتعاقدية، وهي من تحدد الوعي بالهوية.
وحول التشكل والتفكك، يرى نوربرت إلياس أنه لا يمكن الفصل بين هوية الفرد والمجتمع، لأن العلاقة بينهم هي علاقة تأثر وتأثير، أي أنها علاقة بنائية ترى بأن الأفراد الفاعلين في المجتمع هم بُناة الواقع الاجتماعي.
ويرى إلياس أن المُحرك الفعلي للحضارة هي سلطة الدولة، حيث شهد القرن التاسع عشر ظهور هوية جديدة ومُهيمنة، تمثلت بالهوية القومية التي تسببت في حربين عالميتين.
إن المغزى الحقيقي وراء دراسة الثقافة والهوية والوعي، هو تحليل السيرورات التاريخية التي تتسبب بتدمير دائم للأنماط الاجتماعية القديمة من أجل إحلال أنماط جديدة.
الثقافة والديناميات البانية للهوية
إن أهم ما يميز الإنسان عن سائر المخلوقات هو قدرته على إنتاج الثقافة، حيث يتشارك أفراد المجتمع العادات والتقاليد والأفكار والتجارب، لتصبح قيم وتراث اجتماعي متوارث.
وهذا يعني أن أي مجتمع له ثقافة لها مميزات وخصائص ومقومات مادية تتألف من أساليب وأدوات معيشتهم. ولأن الإنسان كائن اجتماعي، فإن سلوكه يتخذ عدة أشكال منتظمة يتخللها بعض الاطراد والتواتر، وقد درس الباحثون هذا الاطراد والتواتر مستخدمين المجتمع والثقافة والشخصية. فلا ثقافة بلا مجتمع تتكون فيه شخصية الفرد وسماته، ولا يبقى مجتمع بدون ثقافة.
وفي القرون الوسطى كانت تعني كلمة ثقافة بالفرنسية (cultes) الطقوس الدينية، وأما في القرن السابع عشر فكانت تعني (فلاحة الأرض)، وفي القرن الثامن عشر بدأت كلمة الثقافة تعبر عن التقدم الفِكري للفرد. وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر، انتقلت كلمة الثقافة إلى الألمانية لتعبر عن المضمون الجماعي، حيث غدت تدل على التقدم الفِكري للفرد والجماعة، بينما عبرت بكلمة الحضارة عن الجانب المادي في حياة الأفراد والمجتمعات. وبعد أن تنقلت كلمة الثقافة ما بين الفرنسية والألمانية، وصلت إلى الإنكليزية ولكنها لم تغير على المعنى الألماني، بل جعلت من الأنثروبولوجيا كعلم خاص بها.
إن أقدم وأشهر تعريف للثقافة هو تعريف الأنثروبولوجي الإنكليزي إدوارد تايلور، حيث عرف الثقافة على أنها كل مركب يشتمل على المعارف والمعتقدات والفن والقانون والأخلاق والتقاليد وكل القابليات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان كعضو في مجتمع معّين. ولقد نقل هذا التعريف الثقافة إلى مستوى الوقائع الاجتماعية التي يمكن ملاحظتها. وعلى الرغم من أنه بعد ذلك تم وضع أكثر من مئة وستين تعريفاً للثقافة، إلا أن أبسط وأحدث تلك التعريفات هو تعريف روبرت بيرستد، حيث أعتبر أن الثقافة هي ذلك الكل المركب الذي يتألف من كل ما نفكر فيه، أو نقوم بعمله أو نتملكه كأعضاء في المجتمع.
وقد استفاد غي روشيه من كل التعاريف السابقة وأعطى أشمل وأعمق تعريف، وفيه أعتبر الثقافة كمجموعة من العناصر المتعلقة بالشعور والفعل وطرق التفكير، وهي طرق تمت صياغتها وفق قواعد واضحة اكتسبها وتعلمها وشارك فيها جميع الأفراد كي يتكونوا في جماعة خاصة ومميزة.
جدلية الدين والثقافة والهوية
قد يتساءل الباحث في الثقافة والهوية عن علاقة الدين بالهوية والثقافة، وهل تقوم هذه العلاقة على أساس التنابذ، أم أن الدين هو جوهر الثقافة؟ وهل الأولوية لما هو ديني أم لما هو ثقافي؟ وهل الدين هو الأصل والثقافة هي الفرع؟ ولمن يا تُرى الأسبقية؟ للدين أم للثقافة؟
قد تكون العلاقة بين الثقافة والدين قوية ومتناسقة، الأمر الذي يجعل الانتماء الديني هوية جماعية مستقلة عن اعتقاد الفرد، ويصبح الدين ثقافة للعديد من الشعوب والحضارات، وذلك لكون الدين يمثل كيان اجتماعي مُترجم بالممارسة والأنماط والتقاليد من حيث تحوله إلى نظام ممارساتي ومؤسساتي.
ولأن الدين يعبر عن رؤية للإنسان والعالم والوجود، فهو ثقافة كاملة من حيث أنه يعطي تصوراً شاملاً لبناء المجتمع الإنساني، ويغطي أدق تفاصيله وفي كل المجالات.
إنه من غير المهم أن يتمثل الدين في دولة أو أمة، بل الأهم أن يُحدد لمنتسبيه الحلال والحرام، والمقدس والمدنس، وأن يطوّع الوعي الفردي والجمعي، بواسطة أفكار ومبادئ وقواعد للفكر والسلوك، بحيث تصبح عقائد راسخة غير قابلة للمراجعة والنقاش في جانبها العقدي.
وعلى الرغم من ذلك، تظل الصلة بين الدين والثقافة متوترة ومتحركة، لتعلقها بالتاريخ والمجتمع، فقد يبرز البعد الديني بالممارسة الدينية، بحيث يكون رجال الدين هم الناطقون باسم المجتمع، وقد يطغى البعد الثقافي على الديني ويتعولم المجتمع، ولكنه بهذا يظل يحمل الأثر الثقافي للدين.
والدين هو علاقة خاصة بين الفرد الموجود في العالم السفلي المادي وما يعتقده أنه مقدس ومتعال في عالم علوي مستقل مجاوز للفكر الإنساني.
أما الثقافة فتشمل المادي والروحي والرمزي والواقعي والمعرفي، أي أن أهم سِمة للثقافة المعاصرة تكمن في أنها ثقافة محايثة للإنسان، أي موجودة بالقرب منه لأنها أصلاً نتاج لتعامله مع الواقع. وهذا يعني أن الثقافة الحقة لابد وأن تتحرر من التعالي، وتثبُت على المحايثة، حتى تستوعب طموحات الإنسان على أرض الواقع.
ولهذا السبب فإن أصحاب الديانات الوضعية اتجهوا لجعل المعبود محايثاً، أي موجود بصورة مادية، فالإنسان منذ وجوده صنع رموزاً تعبر عن ذلك المعنى المتعالي والمقدس، وجعل من عناصر الطبيعة تجسيداً محايثاً لهذا المعبود، فأصبح هذا المعبود يتجلى في صورة أي عنصر من عناصر الطبيعة، فقد يكون بصورة جبل أو حجر أو شجر أو غيرها.
وبنفس المنطق، فإن المجتمعات الإنسانية قسمت الزمن إلى مقدس وغير مقدس، حيث أن الزمن المقدس هو ذلك الوقت الذي حدثت فيه أحداث مميزة ومقدسة يمكن استعادتها بإقامة طقوس معينة.
الخاتمة
إن التغير الجذري الحاصل اليوم في مفهوم الهوية جاء نِتاجاً للتغيرات في مفهوم القوة، فقد تغيرت مكونات الثقافة البانية للهوية لتصبح الأسلحة الثقيلة في الحروب الناعمة هي المكون الثقافي البديل، ولقد كان حديث هنتنغتون عن صدام الحضارات، دليل على المكانة التي احتلها الرأسمال الرمزي الممثل بالثقافة والمعرفة التي تنتج بنفسها النظام الرأسمالي.
إن الهوية حركة مستمرة في التاريخ، تكتسب المعنى والمضمون من تجارب الإنسان وتحديات الواقع، إنها معطيات وعوامل تمنح الفرد والمجتمع الشعور بالوجود والانتماء والوحدة المصيرية. وحين يضعف هذا الشعور ويضمحل، تواجه الجماعة مصير التفكك. وهذا ما أصاب الهوية العربية الواحدة في مقتل، ودفع بالوعي العربي نحو هاوية الهويات المختلفة، هويات طائفية ومذهبية وإثنية وقبلية، تحيي كيانات غير الوطنية، مما يعني أن الدولة العربية فشلت فشلاً ذريعاً في إنشاء نموذج قومي ووطني، بل لم تنجح حتى في بناء نفسها.

اترك تعليقاً