سيكولوجية العنف وأثره على التنشئة الاجتماعية للأبناء

لمن ينصح بهذا الكتاب؟

لمن يريد معرفة سيكولوجية العنف (علم نفس العنف) وآثارها المدمرة على المجتمع، ولمن لم يعلم أن الأسرة هي السبب في تقدم والمجتمعات والمسبب لدمارها، لمن يريد أن يخرج للمجتمع أسرة ناجحة وفاعلة تمضي به قدماً.

عن الكتاب

يناقش كتاب (سيكولوجية العنف وأثره على التنشئة الاجتماعية للأبناء) سيكولوجيا العنف بطريقة علمية، حيث يدرس أشكال العنف وأسبابه وآثاره المتباينة، ويبين الوظائف والأدوار، الإيجابية والسلبية، التي تلعبها الأسرة في التنشئة الاجتماعية لشباب المستقبل.

عن المؤلفة

نرمين حسن السطالي، كاتبة مصرية لها العديد من المؤلفات.

الأفكار الرئيسية

  • مفاهيم لا بد منها.
  • الأسرة ووظائفها الاجتماعية.
  • سيكولوجية العنف.
  • نظريات التنشئة الاجتماعية.

المقدمة

إن العنف ظاهرة قديمة بقدم الإنسان والحيوان، ولقد كان أول صراع بين البشر هو ذلك الذي حدث بين ابني آدم، ومن ثم انتشر كالنار في الهشيم إلى يومنا هذا.

ولعل من أهم ما يدفع الإنسان إلى الإجرام أو العنف هو سوء المعاملة التي تلقاها في طفولته، الأمر الذي أنعكس سلباً على نفسيته وأفكاره وسلوكه عند بلوغه. وبالتالي فقد أصبح الحد من العنف ضد الأطفال هو الشغل الشاغل لكثير من بلدان العالم.

ولقد انتقل العنف من الأسرة والبيت إلى المدارس والجامعات، وأماكن العمل والأسواق، وأصبح من تلوثت طفولته بالعنف يتفنن في أساليب العنف كالتعذيب المتعدد الطرق، والقتل، والهجوم المسلح، وغيره من أساليب العنف المنتشرة.

يؤدى العنف الأسري المتكرر إلى مضاعفات نفسية وجسدية تقود إلى نمو عقد نفسية، قد تتطور إلى حالة مرضية عند أفراد الأسرة المُعتدى عليها، وخاصة الأطفال، الأمر الذي يجعل العنف مسلك أفراد وأطفال هذه الأسرة. ينشأ العنف في الأسرة ويدمرها، فقد يؤدي إلى الطلاق، ويجعل الأطفال يفرون من منازلهم إلى الشوارع، وبالتالي تبرز ظاهرة أطفال الشوارع، الأطفال الذين أفقدهم العنف الأسري طفولتهم وأصبحوا مهيئين لأن يكونوا مجرمي الغد.

مفاهيم لا بد منها

إن الدور الطبيعي للأسرة هو دور يكتنفه الحب والرحمة وَالطُّمَأْنِينَة، فهي المنشأ الأول للفرد وإليها يلجأ ويهرب من مشكلات الحياة. ولا يمكن للأسرة الاضطلاع بهذا الدور السليم دون أن يكون هناك تفاهم وتنسيق مشترك بين الوالدين، فإذا غاب التفاهم والتنسيق، أصبح الصراع والعنف هو الأسلوب البديل للتفاهم. ويأتي انعدام التنسيق والتفاهم الأسري نتيجة للإحباط والضغوط النفسية للحياة الحديثة والمعاصرة.

يشير العنف بالمفهوم العام إلى الإيذاء، أما بمفهوم العلوم الاجتماعية فيعني القسوة وإيذاء الغير، بشكل يؤدي إلى تفكك عرى الروابط الاجتماعية بين أفراد الأسرة الواحدة.

وتًعرّف منظمة الصحة العالمية العنف بأنه استعمال الفرد لقوته البدنية سواء ضده نفسه أو ضد الآخرين أفرادً وجماعات، الأمر الذي يؤدي إلى الإصابة الجسدية أو النفسية أو الوفاة أو سوء التنشئة أو الحرمان.

ومن منظور اجتماعي يعتبر العنف سلوك معادي يقوم به طرف ضد آخر يهدف إلى إخضاع الآخر، الأمر الذي يؤدي إلى أضرار مادية أو معنوية أو نفسية للآخر، سواء كان فرداً أو جماعة أو طبقة اجتماعية أو دولة.

أما من منظور نفسي فيُعد العنف سلوك ناتج عن الإحباط الناجم عن الصراعات النفسية اللاشعورية، التي تحول بين الفرد وأهدافه، وتجعله يتجه إلى العنف فراراً من هذا الإحباط.

وحسب فرويد، مؤسس مدرسة التحليل النفسي، فإن العنف سلوك بشري كامن ينشط باعتراض نشاط صاحبه، وهذا يعني أن العنف هو استجابة من ضمن الاستجابات الطبيعية للفرد.

ويقصد بالعنف ضد الطفل، أي أسلوب إساءة موجه للطفل سواء كانت جسدية، جنسية، لفظية، تعامليه، أو أي فعل يجعل حياة الطفل وصحته الجسدية والنفسية والعقلية عرضة للخطر. بينما يقصد بالعنف ضد المرأة أي سلوك عدواني ضد المرأة يؤدي إلى أضرار جسمانية، وجنسية، ونفسية للمرأة.

أما التنشئة الاجتماعية فهي طريقة متزنة يتم بها تحويل الفرد من مجرد الكينونة الإنسانية إلى فرد اجتماعي متفاعل مع المجتمع، وبالتالي تزويده بالسلوك والاتجاهات والمعايير والقيم الاجتماعية التي تساهم في بناء وتكوين شخصيته الاجتماعية.

الأسرة ووظائفها الاجتماعية

تُعد الأسرة اللبنة الأساسية لبناء المجتمعات، فهي تبدأ بالبناء السليم للأفراد وتكون تفاعلهم الاجتماعي، أما إذا اختل هذا البناء فإنه في المقام الأول سيجلب الويل والثبور على جوانب الطفل النفسية والاجتماعية، على أسرته ومجتمعه في المقام الثاني.

وعادة ما يكون العنف هو سبب هذا الاختلال الكارثي، ولهذا فإن بناء الطفل السوي لا يتأتى إلا بالنمو النفسي والعاطفي والبدني السوي في أسرة خالية من العنف بكل صوره وأشكاله، ومراعية لجميع الجوانب النمائية للطفل.

وقد أثبت علم النفس التربوي أن الأسرة أحد أهم أسس بناء الكيان التربوي والاجتماعي، والتي لطالما كانت البانية للحضارات الإنسانية، وهي من ورَّثت كل الحِرف والصناعات للأجيال المتعاقبة منذ أول وجود للإنسان حتى اللحظة.

إن استمرار الأسرة كمؤسسة اجتماعية منوط بالدور الذي تقوم به في المجتمع، وهذا يعني أن السلوك الأسري مرتبط بمعايير المجتمع الذي تنتمي إليه الأسرة، وبالتالي تصبح هناك علاقة تفاعلية وتعاونية متبادلة بين الأسرة والمجتمع، ولهذا يُلاحظ أن أي تغير، إيجابي أو سلبي، يحدث لمجتمع معين، ينعكس بشكل مباشر على الأسرة التي تشكل جزء رئيسيا من هذا المجتمع.

والدور الأساسي للأسرة يكمن في التنمية السليمة للأطفال وبناء شخصياتهم البناء الكافي. ولا شك أن الأسرة تقوم بالعديد من الادوار والوظائف البيولوجية، والاجتماعية، والاقتصادية، والتربوية والجنسية، والدينية، ونكتفي بذكر البيولوجي والاجتماعي منها.

ففي الوظيفة البيولوجية يقوم كل من الزوج الزوجة بالإشباع الشرعي للعاطفة، ومن ثم إنجاب الأطفال والحفاظ على استمرارية الجنس البشري. ويجدر الذكر هنا أن عدد الأطفال للأسرة في الدول المتقدمة أقل من عدد الأطفال في الدول النامية، وذلك من أجل أن يتسنى للأسرة في الدولة المتقدمة القيام بوظيفتها البيولوجية تجاه أطفالها على أكمل وجه، وذلك من خلال الرضاعة الطبيعة الكاملة المدة، والتي تزيد الطفل حباً لأمه وتقربه منها عاطفياً.

إن الوظيفة الجوهرية للأسرة هي تنشئة الطفل تنشئة اجتماعية شاملة يتم فيها نقل ثقافة المجتمع إليه، حتى يتطبع الطفل بطابع المجتمع الذي ولد فيه. وتلعب الأسرة الدور الرئيسي في عملية التنشئة، حيث تعلم الطفل آداب التعامل مع الآخر، وآداب المائدة، وطقوس ومفاهيم الدين الأساسية.

سيكولوجية العنف

يُعتبر العنف سلوك كامن وخامل في البشر، لا ينشط ولا يلجأ إليه إلا من يعاني من عدم الكفاءة الذهنية تجاه مواقف الحياة الكثيرة، ومن يواجه ضعف أسلوبي في مواجهة مشاكل الحياة ووضع الحلول المناسبة لها. إن من يعاني من هذه السلبيات يلجأ إلى إتخاذ العنف وسيلة لعقاب أو لضبط الآخر وتوبيخه.

ويتخذ العنف صوراً يصعب حصرها واستيعابها بسبب تنوع آثارها واختلاف ظروف حدوثها، وهذا يعني إن دراسة العنف تأتي من فرضية عامة فحواها أن للعنف أشكال وصور مُتغايرة المظاهر والمستويات، وأنها ليست كلها مفهومة بنفس الطريقة ولا تعود إلى نفس الأسباب.

ومن جهة أخرى تقوم العلوم الاجتماعية الإنسانية على اختلافها بالمساعدة على فهم ظاهرة العنف عبر تسليط الضوء على بعض العوامل المؤدية إلى حدوثها.

وقد يكون العنف ناتج عن مشكلة فسيولوجية تتعلق بإفراز هرمونية وغدديه غير متوازنة، وهذا لا يعني التبرير للعنف الذي هو منبوذ دينياً وأخلاقياً واجتماعياً وسلوكياً، ولكن ذلك يعني أن للعنف أسباباً عميقة في المجتمعات التي تكثر فيها ظاهرة العنف. وهذه الأسباب المتأصلة تعني أن هناك صراعا نفسيا داخلي يعبر عن خوف الطرف الآخر، وأن العنف لا يعدو عن كونه انعكاس لهذا الخوف والقلق وانعدام الصبر والاتزان، وضيق الأفق وقلة الحيلة.

وتتنوع مظاهر العنف ما بين الضرب والشتم والتعصب، وبين العنف النفسي والمعنوي المستمد من البيئة الموروثة والتي تعتمد على تقليد الآباء. ويؤثر المستوى التعليمي للوالدين بشكل قوي على تحديد شخصية الطفل، حيث يقوم الطفل بتقليد الأب في سلوكه، حتى وإن كان مخالفاً للمعايير الاجتماعية والأخلاقية التي قد تصل بالطفل إلى الاعتداء على أمه أو أخته في طفولته وعلى زوجته في الكِبر.

وقد يكون العنف نتيجة للإحباط الذي يعبر عن حالة الإنسان الشخصية، التي تؤثر سلباً على سلوك الفرد وتدفعه إلى ممارسة العنف ضد الآخرين. وكما أن للإحباط ردود فعل عنيفة ومختلفة، فإن للحرمان، أيضا ردود هي الأخرى عنيفة، فإذا تم حرمان الطفل من رغباته فإن العنف ينمو معه ومن ثم يوجه لمن حرمه من تحقيق هذه الرغبات. فالإحباط هو شعور الفرد بخيبة أمل ناتجة عن حرمانه من بعض حقوقه أو رغباته المختلفة جراء عائق يحول بينه وبين حصوله على حقوقه وتحقيق رغباته.

نظريات التنشئة الاجتماعية

لقد أدت وجهات النظر المتباينة حول آلية التنشئة للطفل إلى بروز ما يسمى بنظريات التنشئة الاجتماعية، التي برهنت على فاعلية دور الأب في تكوين شخصية طفله. ومن أهم هذه النظريات نظرية التعلم الاجتماعي، ونظرية الذات، ونظرية التحليل النفسي.

وحسب رائد نظرية التحليل النفسي، سيغموند فرويد، فإن الطفل الذكر يستمد فخره بنفسه، أو ما يسميه فرويد الأنا الأعلى، من دور والده لأنهما من نفس الجنس. ويعتقد فرويد في نظريته هذه أن الطفل يأتي إلى الحياة وهمة الوحيد هو إشباع غرائزه في اللهو، ولكن مع تدرجه في النمو يبدأ والديه أو مجتمعه بالحيلولة بينه وبين غرائزه، في محاولة لتنشئته تنشئة إجتماعية قائمة على ضبطه وقبوله بكافة قوانين المجتمع الذي يعيش فيه.

ويتحول هذا الضبط إلى ضمير يسيطر على رغبات ومتطلبات المتعة لدى الفرد، وهكذا فإن كل شيء يجده الفرد في الأنا يصعب تحقيقه، وبالتالي يتحول إلى ما يطلق عليه فرويد العقل الباطن، الذي يعبر عن هذه الرغبات في صورة أحلام ، الأمر الذي يتسبب في الكثير من المشاكل والاضطرابات النفسية والاجتماعية.

وهذا يعني أن فرويد يعتبر أن الآباء من أهم المفاهيم الاجتماعية لدى الأطفال، لأنه عندما ينتقل الطفل من مرحلة نمائية إلى أخرى، فإنه يقلد والده، وهذا يعني أن الطفل يختزل خصائص شخصية من يحب ويجعلها جزء متأصل من ضميره، بغض النظر عن سلبياتها وإيجابياتها.

وتؤكد نظرية التحليل النفسي أنه إذا عاش الطفل بعض التجارب، خصوصاً في سنواته الخمس الأولى، في جو يسوده التعاطف الحب والإحساس بالأمان، فإن الطفل يصبح على انسجام مع نفسه ومجتمعه، أما إذا عانى الطفل من تجارب يسودها الحرمان والتهديد والإهمال، فإنه يصبح شخص مضطرب وغير منسجم مع نفسه ومجتمعه.

الخاتمة

لطالما كانت وما زالت ظاهرة العنف ومشكلة إهمال وإساءة معاملة الأطفال، من أخطر المشاكل الكارثية التي تهدد المجتمع وتقف حجر عثرة أمام تقدمه، حيث تشير إحصائيات منظمة الصحة العالمية إلى أن 40 مليون طفل في العالم دون سن البلوغ يتعرضون لمعاملة أقل ما يقال عنها أنها عنيفة وسيئة.

وبما أن الأطفال هم شريحة ضعيفة جداً لأنهم في أول مراحل النمو البدني والنفسي، فهم أكثر عرضة للعنف، وخصوصاً إذا كان المعتدي أحد أفراد الاسرة، الأمر الذي يؤدي إلى مشكلات نفسية للطفل. ومن المفترض أن يتم توفير الحماية للطفل، وإشعاره بالأمان، مما ينعكس بدوره على شخصيته المستقبلية الشابة.

وحاجة الطفل لا تقتصر على الاحتياجات الفسيولوجية النمائية فحسب، بل يحتاج إلى أسرة متزنة ومتسقة يسودها جو من الأمن والمحبة والطُمأنينة توفر له احتياجاته النفسية، والاجتماعية، والثقافية والاقتصادية عبر التواصل الأسري الفعّال معه.


Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *