لمن ينصح بهذا الكتاب؟
- لكل من يتساءل عن أسباب تقدم الغرب وتأخرنا على الرغم من آدميتنا جميعاً.
- لكل من يريد معرفة المقومات الحقيقية للنهوض.
عن الكتاب
إن كتاب (بِم تقدم الأوروبيون وتأخرنا؟!) هو تحقيق ودراسة مستفيضة لأحد أبحاث مجلة (الأستاذ)، للشيخ عبدالله النديم، قام بها الدكتور محمد عمارة.
عن المؤلف
هو عبدالله بن مصباح الإدريسي الحسني، كاتب وشاعر وخطيب، وسياسي مناضل، وعالم -مِصري- في كثير من العلوم الإسلامية. أحد خطباء و قادة الثورة العرابية (1881-1882م).
عن المحقق
الدكتور محمد عمارة، مفكر إسلامي مصري، ومؤلف ومحقق وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر. حقق لأبرز أعلام اليقظة الفكرية الإسلامية الحديثة، جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي، وألف الكتب والدراسات عن أعلام التجديد الإسلامي. صدر له 74 مؤلفاً.
الأفكار الرئيسية
• بِم تقدم الأوربيون وتأخرنا والخلق واحد؟ أجوبة مزعومة.
• أسباب تقدم الأوربيون وتأخرنا.
• مقومات الانتماء والنهوض.
• الأجراء المبشرون بالنموذج الغربي.
المقدمة
لقد كرس النديم حياته من أجل الاستقلال الوطني والتقدم الحضاري الإسلامي، وظهر ذلك جلياً في حقبة الاحتلال الإنجليزي. وتحاشياً لتضييق الاحتلال على مجلة (الأستاذ) التي أسسها، فقد أتجه إلى ما يسمى فن السياسة الذي يتضمن علم التاريخ، والأخلاق، والعادات، وتدبير الدول. ومن هذا المنطلق لم تترك هذه المجلة أي جبهة لمواجهة المحتل الإنجليزي ومنابره المأجورة إلا وكانت فيها.
ولطالما بحث النديم عن أسباب التقدم الحضاري للغرب وتأخر المسلمين، وبناءً على هذا البحث المستفيض فقد كتب في مجلته (الاستاذ) دراسة عنوانها (بِم تقدموا وتأخرنا والخلق واحد؟!). بحث فيها عوامل التقهقر الحضاري، وشروط النهضة. وقد رصد العوامل الداخلية للتراجع الحضاري، وهي: التسلط الاستبدادي، تشتت البلاد الواحدة وكثرة حكامها، وغياب تأثير العلماء والمؤسسات التعليمية، ومحاربة الحكام للأفكار والمفكرين والمجددين.
وهذه هي العلل التي نقلتنا إلى التخلف بعد فترة ازدهار الحضارة العربية والإسلامية، وذلك عندما أطلقت الدولة العربية العنان للمفكرين والعلماء، وجمعتهم من كل حدب وصوب، وشجعت على ترجمة الكتب العلمية ذات المحتوى النافع والمفيد.
وقد كان النديم على معرفة تامة بالعقبات التي واجهت سير الحضارة الإسلامية، والتي أدت إلى تقهقر حضاري طويل الأمد. ومن أبرز هذه العقبات الغزوة التترية والحروب الصليبية، اللتان كان لهما الدور الأكبر في جذب ودعم قوى التسلط والاستبداد الأجيرة والمحسوبة على الشرق، والتي كانت أجنبية أكثر من الأجنبي، بل وأكثر تسلطاً من تسلط الأجنبي، وبذلك تراجع دور العلم والعلماء، وتقدم الغرب على حساب تأخرنا.
بِم تقدم الأوربيون وتأخرنا والخلق واحد؟ أجوبة مزعومة
لقد تحركت بهذا السؤال شفاه كل ذي لُبّ من المسلمين، متسائلين عما يجعل الأوروبيين يمضون بثبات إلى الأمام في تقدم، ونحن نتراجع بنفس ذلك الثبات، ولكن إلى الخلف في تخلف وتأخر على الرغم بشريتنا جميعاً.
وكلما دار السؤال على ألسنة أكثر، كلما زعمت ألسنة أكثر منها بأنها تعرف الأجوبة، فمنهم من يعلل هذا التأخر بأنه بسبب البيئة الشرقية التي تتحكم في انفعال الأجسام، وتجعل الشرقيين يتصفون بالكسل والتقاعد عن العمران، بينما حكموا على الأوروبيين بالعمل والنشاط. وهذه العلل تدحضها الأدوار العلمية الإسلامية التي استخلصت أوروبا مدنيتها منها، بعد أن كانت في حضيض الحضارات.
ومنهم من يجعل الإسلام سبباً للتأخر، وهم بذلك ليسوا إلا ببغاوات تردد ما قاله المتوهمون الأوربيون الذين لم يدركوا أن الشرق يعُجّ بالأديان الأخرى، وأن الآخذين بهذا الأديان هم أضعاف الآخذين بالإسلام. ولو أن الإسلام كان حجر عثرة في طريق التقدم، لرأينا الهند والصين أكثر تقدماً من أوروبا.
وقد أدعى الأوربيون أن الإسلام هو من يقف وراء هجمات المسلمين ضدهم، وأنه لا طمأنينة إلا بإعدام القرآن والمسلمين، وهذه الدعوى، كغيرها، مدحوضة بالحروب المستمرة بين دول أوروبا المسيحية من عهد الرومانيين إلى وقت قريب. والحاصل أنه كلما زادت مدنية قُطر أوروبي زاد احترافه في صناعة آلات القتل والتدمير. ولطالما عاش الشرق في سكينة واستقرار، ولم يتحرك إلا دفاعاً عن وطنه الذي امتدت أياد أوروبا القذرة التي غسلتها بدماء المسلمين.
وعندما كان الإسلام في أوجّ قوته وسطوته، لم يستعمل هذه القوة ضد معتنقيه ولا ضد معاهديه، ولم يكن لدى رجاله تعصب يدفعهم على قهر الناس من أجل أن يتركوا أديانهم، بل خيرهم بين أن يعتنقوا الإسلام أو أن يستوطنوا على حكمه، وهذه من أهم خصائص ومزايا هذا الدين العظيم.
أسباب تقدم الأوربيون وتأخرنا
لم تكن أوروبا إلا عبارة عن ممالك متجزئة ومشتتة، وكل جزء تحكمه عائلة من قومية مختلفة. وبفعل اختلاف القوى بين العائلات الحاكمة، قامت العائلات القوية بالسيطرة على العائلات الضعيفة وعلى أراضيها، وضمت الأجزاء إلى بعضها، وأصبحت بعد ذلك أوروبا عبارة عن دول كبيرة ومستقلة.
ولقد اتجهت هذه العائلات إلى أحياء لغتهم وتعميمها على العائلات التي سيطرت عليها، وذلك من أجل إماتة حمية الجنس التي تدفعها اللغة. فلم يكن يوجد في أي دولة أوروبية من يتكلم بغير لغة تلك الدولة، وبهذا جعلوا لغتهم هي لغة من يسطروا عليها من الأجناس المختلفة، حتى أنه بات من الصعب التفريق بين أهلها والأجناس التي وقعت تحت سيطرتها في عاداتها وأخلاقها، وذلك بفعل نسيانهم لغاتهم وانفعالهم بفواعل اللغة وألفاظها.
أما ملوك المسلمين فقد تغافلوا عن هذا الفعل الذكي، وتركوا المحكومين يتحدثوا ويتعلموا بلغاتهم، فبقيت انتماءاتهم القومية ببقاء لغاتهم. وبالتالي فإن بقاء لغاتهم هو المحرك والمحفز والدافع لهم على الثورة والاستقلال من حكم الآخر. وهذا ما فعلته الأمم التي حكمها العرب ولم يوحدوا اللغة العربية فيهم.
وعندما سيطرت كل عائلة أوروبية على جزء، قامت بجعل السلطة في يدها، ولم تمنح المُسيطر عليهم أي إدارة أو منصب، مخافة تمكنهم من السلطة التي قد تدفعهم إلى الاستقلال، وظلت الأمور على هذا المنوال حتى امتزج المُسيطر عليهم مع العائلات الحاكمة والمسيطرة، وأصبحوا على لغتهم ودينهم.
أما دول الشرق فقد فاتتها هذه الخطوة أيضاً، حيث كانت إداراتها عبارة عن مزيج غير مُتجانس من الأجناس والقوميات المحكومة. وهذا المزيج أدى إلى اندلاع الثورات وتفكك الأوصال حتى ظهرت الدولة العربية، ومن بعدها الدولة العثمانية، اللتان وحدتا سُلطاتهم وإداراتهم في أقوامهم، وعندما مال الخلفاء والأمراء إلى المدنية والرفاهية، سلموا زمام أمورهم وإداراتهم إلى الأجناس المحكومة، فحصل المتوقع ورجعت العرب ومن بعدهم الأتراك إلى الوراء، وكثر المتغلبون، وسُفكت الدماء، وطمعت أوروبا بالشرق وهاجمته بعد أن كانت تخشى مجرد سماع اسمه.
وهكذا نخلص إلى أن هناك أربعة أسباب رئيسة أصيلة تقدمت بها أوربا، وستة أسباب فرعية أخرى. أما الرئيسية فهي باختصار: توحيد اللغة، وتوحيد السلطة والشعب، وتوحيد الجامعة الدينية، والمعاهدات السياسية والاقتصادية بين الدول الأوربية واتحادها. أما الفرعية باختصار، فهي: إطلاق حرية الفكر والكتابة، وتجميع رؤوس الأموال في مؤسسات وشركات مساهمة، وتشجيع التنافس والابتكارات والاختراعات، وتعميم التعليم وتوحيده، وإقامة مجالس الوزراء لمنع الاستبداد والظلم، وإقامة المؤسسات لأهل الفكر والعلم والثقافة.
مقومات الانتماء والنهوض
لقد ايقظت أوروبا الشرق من سباته العميق إيقاظ العدو لعدوه، فقد أدت الحملات الاستعمارية الغربية إلى استفزاز المسلمين، وإثارة غيرة وحمية غير معهودة في شبابه وشيوخه، حيث لم يكتفِ المُحتل الأوروبي بالإساءة إلى الإسلام والمسلمين، بل وصلت به الوقاحة إلى أن يُرسل بحملات تنصير للمسلمين، وأن يبني الكنائس والمدارس التي تستهدف الأجيال المسلمة الناشئة.
ولكن هذا الاستفزاز لم يأتي إلا بما يكره المحتل الأجنبي، حيث تولدت لدى المسلمين روح الغيرة والحمية، وروح المماثلة لا التبعية، التي أرادها المحتل الأجنبي. وقد أدى أيضاً هذا الاستفزاز، إلى تشكّل يقظة إسلامية برزت في تيار من الشيوخ والشباب، الذين ظهرت فيهم مقومات انتماء وثوابت لم يفرطوا بها: حفظ حقوق وواجبات الوطنية، حفظ الثروة الصناعية والتجارية، حفظ القومية العربية والإسلامية بعدم تقليد الغير في الأفعال والأقوال، حفظ اللغة التي هي روح الأمة وأداة حفاظ على الأخلاق و تحسين العادات، وحفظ الدين الذي مثل كل مقومات الانتماء.
ويجب على من يريد أن يغير عاداته إلى عادات الغير أن يقارن بينهما، فإن وجد ما يميز عادته عن عادات الغير، وأنها تحفظ له الدين، واللغة، والمظهر، والثروة، والوطنية والقومية، فيجب أن يبقى عليها، وإن رأي فيها ما يضره أو ما يضر وطنه ومجتمعه، غير منها ما لا يفقده الدين والشعور القومي والغيرة الوطنية. فإن غير عادته دون هذه المقارنة، فقد سلّم نفسه لمن انتقل إلى عاداته، ويصعب عليه بعد ذلك الرجوع إلى أمته وهويته بعد نسيانه عاداتها وأخلاقها.
الأُجَرَاء المبشرون بالنموذج الغربي
لم تزحف أوروبا على الشرق إلا بعد أن أعدت العدة من أجل التملّك والإحلال الديني. فعندما أرادت السيطرة والتملك أظهرت وجهها القبيح وفعلها المتوحش، أما حين أرادت إحلال ونشر دينها بين أوساط العرب المسلمين، فقد لبست قناع المحبة والود، مُحاولَةَ أن تشوه ما عليه الشرقيين من دين وانتماء وزراعة وصناعة، ومحاولة أن تجعل نفسها المثل الأعلى الذي يجب أن يقتدى به في كل تفاصيله.
ومن أجل تحقيق هذه الأهداف الخبيثة، عملت أوروبا على إنشاء مدارس التبشير التي ستجعل العرب، ينحنوا بشكل لا إرادي للحضارة الأوروبية، حسب قولهم. والمشكلة هنا تكمن في أن خريجي مدارس التبشير هذه هم من المحسوبين على العرب والإسلام عامة وعلى المصريين خاصة، فقد خرجوا منها حاقدين على الإسلام وحضارته، محترفين التبشير بالأسلوب الغربي البحت.
ومن أجل بث القيم والعادات الغربية، فقد تم إنشاء منابر ثقافية وعلمية لخريجي مدارس التبشير. ومن هذه المنابر التبشيرية التي أخذت على عاتقها نشر وتوطين كلما هو غربي، مجلة (المقتطف) وجريدة (المقطم)، وأما كتابهما الأشد كرها وحقداً على الإسلام فهم: يعقوب صروف، وفارس نمر، وشاهين مكاريوس، وشبلي شميل، وغيرهم من خريجي مدارس إرساليات التبشير.
لقد كان هؤلاء هم الأجراء بحق، أعداء الإسلام وأعداء المصريين، المُشرّعين للفتن والأكاذيب، والمترددون على أبواب المحتلين الأجانب بالأكاذيب والخِداع والأراجيف، فأصبحوا بأفعالهم تلك لا شرقيين ولا غربيين، بل أنهم لا يمثلون للأوروبيين سوى أداة رخيصة توصلهم إلى أهدافهم في الشرق، وهم من يحثهم أسيادهم على المثابرة ونشر الزيف باسم المدنية، التي ليست سوى سِتار يُخفي وراءه الأوروبيون وحشية وحيوانية قلّما تُرى في أجناس غيرهم.
الخاتمة
لقد أنتجت أوروبا، بعد عصر النديم، فلسفات ونظم فاشية ونازية وماركسية، سرعان ما سقطت وتهاوت. ولكن ذلك السقوط أبى إلا أن يُسقط معه الدين المسيحي، الذي حل مكانه التنوير والحداثة كدين طبيعي، ولكن هذا الدين الطبيعي سقط أيضا، وحل محله التفكك والعدم، فأصبحت أوروبا تعيش فراغاً دينياً، يتمدد فيه الإسلام. وبذلك فإن عامل الجامعة الدينية التي مثلت أحد أهم عوامل التقدم الأوروبي في عصر النديم قد سقط تماماً، حتى أن بابا الفاتيكان قد أصبح يخشى أن يصحو من نومه وقد أصبحت أوروبا داراُ من ديار الإسلام. ولقد شهدت أوروبا إغلاقاً متواتر للكناس، وبيعاً متسارعاً للمطاعم والملاهي، بسبب انتشار المساجد في ربوعها.
إذا، مع انهيار ركيزة (وحدة الجامعة الدينية)، التي قام عليها التقدم الأوروبي -في عصر النديم- لم نعد أمام (تقدم أوروبي)، وإنما أمام غروب لهذا النموذج الحضاري، الذي أصبح وكأنه سليمان -عليه السلام- الذي توفاه الله، بينما عصاه هي التي تحفظ عليه صورة الأحياء.
وأمام هذه الحقيقة الناصعة -التي لم يشهدها عصر النديم- يتفرد الإسلام كخيار حضاري، يتوجب على المسلمين أن يدركوا الأسباب التي تربعوا بها على عرش العلم والتقدم قبل أربعة عشر قرناً، ليغيروا بها حاضرهم البائِس ومستقبلهم المجهول. وسيأتي يوم تُكتب فيه العديد من الِدراسات التي تحاول أن تجيب على سؤال العصر-عصرنا نحن-: بِم تقدم المسلمون وتأخر الغرب.. والخلق واحد؟!


اترك تعليقاً