لمن ينصح بهذا الكتاب؟
للراغبين في تكوين فهم عن حقيقة الخلفيات التي تحيط بالقضية الفلسطينية، خصوصا مع موجات التزييف والتضليل التي تمارسها دول وأجهزة إعلامية.
عن الكتاب
القضية الفلسطينية: خلفياتها التاريخية وتطوراتها المعاصرة، كتاب يحاول عرض صورة شاملة عن القضية الفلسطينية، عن طريق استعراض خلفياتها التاريخية وتطوراتها المعاصرة.
عن المؤلف
أ. د. محسن محمد صالح، أستاذ مشارك في تاريخ العرب الحديث والمعاصر، متخصص في الدراسات الفلسطينية، سياسياً واستراتيجياً وتاريخياً، محرر التقرير الاستراتيجي الفلسطيني السنوي، له العديد من المؤلفات، ويعمل حالياً مديراً عاماً لمركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.
ماذا سنتعلم في هذا الكتاب؟
- مكانة فلسطين في الإسلام.
- فلسطين في العهد الإسلامي.
- المزاعم الدينية والتاريخية لليهود في فلسطين.
- خلفية ظهور القضية الفلسطينية في التاريخ الحديث.
المقدمة
أصبحت القضية الفلسطينية الشغل الشاغل للعالم العربي والإسلامي، وذلك يرجع لثلاثة أسباب: قدسية ومركزية فلسطين في قلوب المسلمين، وطبيعة العدو الإحلالية الساعية لِتَشْرِيد الشعب الفلسطيني وإلغاء حقوقه المتأصلة في أرضه ومقدساته، وشهوة الصهاينة والغرب لإضعاف الأمة الإسلامية وتمزيقها وتفكيك أوصالها.
ولذا يُعتبر وجود الصهاينة في فلسطين، قلب العالم الإسلامي، من أقوى التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية في سعيها باتجاه الوحدة والإنعتاق والنهضة، لإستعادة مكانتها كأمة عالمية. ومن الجلي أن توطين الكيان اليهودي-الصهيوني في فلسطين، هو من أجل تنفيذ هذا المخطط الغربي الصهيوني.
يلتقي هذا المخطط مع أهداف يهودية بحتة: حل مشكلة اليهود في أوروبا، وكسب التعاطف الديني مع رغباتهم الإحلالية.
إن ما يتعرض له الفلسطينيين من تهجير وتدمير لكيانهم، وما تتعرض له الأمة الإسلامية من زعزعة للإستقرار، يعبر عن مدى الظلم والحقد الغربي، الذي يدّعي دعوته للسلام وحقوق الإنسان.
مكانة فلسطين في الإسلام
لا غرابة أن يشغف المسلمون أرض فلسطين حباً، وأن تمتلئ قلوبهم شوقا لها؛ لأنها أرضاً مباركة ومقدسة، ففيها المسجد الأقصى، القبلة الأولى للمسلمين، وثالث المساجد رًتبة في الإسلام، والصلاة فيه تماثل خمسمائة صلاة في غيره من المساجد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى”، وقال عليه الصلاة والسلام: “الصلاة بالمسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة”.
ففلسطين هي خصباء الأنبياء، ومبعثهم، وعلى تربتها عاش إسماعيل وإسحاق، ويعقوب ويوسف، وداود وسليمان، وصالح وزكريا، ويحيى وعيسى، وإبراهيم ولوط عليهم السلام ممن جاء ذكرهم في القرآن الكريم، أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد زارها. وقد سكن فيها كثيراً من أنبياء بني إسرائيل، ممن لم يأتي ذكرهم في القرآن. والأقصى مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعراجه إلى السماء، وبذلك زادت أرض فلسطين تَشْرِيفًا وتعظيماً من الله سبحانه وتعالى.
فلسطين في العهد الإسلامي
قبل تكوّن دولةُ الإسلام في المدينة المنورة، اتجهت أنظار القلّة المستضعفة من المسلمين في مكة صوب المسجد الأقصى؛ لأن معجزة الإسراء كانت من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، الذي كان قبلة المسلمين الأولى في صلاتهم. وكان فتح خيبر وغزوتا مؤتة وتبوك، وحملة أسامة بن زيد مقدمةً لتوجه المسلمين إلى بلاد الشام.
إن معركة أجنادين بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه في 30 يوليو 634م، هي من أهم المعارك التي قادت إلى فتح فلسطين. وقتل فيها أكثر من ثلاثة آلاف من الروم، أما المعركة الحاسمة فكانت معركة اليرموك شمال الأردن في 5 رجب 15هـ، والتي واجه فيها جيش المسلمين، المكون من 36 الفاً بقيادة أبي عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد رضي الله عنهما، جيش الروم البالغ 200 ألف.
كانت نتيجة هذه المعركة هي فتح الشام، واستلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه مفاتيح بيت المقدس، بعد أن حاصرها المسلمون عدة أشهر، ورغب أهلها بالصلح شريطة أن يتولى عمر العقد بنفسه. وقد شارك عمر في الفتح نحو أربعة آلاف من الصحابة، وصدح صوت بلال بن رباح فيها بالأذان. وكتب عمر بن الخطاب لأهل القدس عهداً، أشتهر باسم “العهدة العمرية”، ووضحت هذه العهدة مدى تسامح الإسلام، في عالم يسوده التعصب الأعمى والإكراه على الدين. وفتحت القدس على الأغلب في ربيع الآخر 16هـ / مايو 637م. وكانت “قيسارية” آخر مدينة تفتح في فلسطين، والتي كانت ميناء ومدينة عامرة قوية، حاول الروم الاحتفاظ بها قدر استطاعتهم.
حكمت دولة الراشدين فلسطين حتى سنة 661م، وحكمتها بعد ذلك الدولة الأموية حتى 750م، ثم العباسيون إلى أن ضعفت الدولة العباسية بعد مقتل الخليفة العباسي المتوكل سنة 861م. وعقب ذلك حكمت العائلة الطولونية مصر وفلسطين خلال الفترة 878 – 905م، وحذا الإخشيديين حذو الطولونيين فحكموا مصر وضموها إلى نفوذهم خلال الفترة 935 – 969م، وقد حكم الإخشيديون والطولونيون تحت إسم الدولة العباسية.
استطاع الفاطميون الاستحواذ على فلسطين في عام 358هـ، ليسيطر عليها بعد ذلك السلاجقة في عام 464 هـ / 1071م. وفي باكورة الحملة الصليبية التي وصلت طلائعها إلى الشام، عاد الفاطميين ليسيطروا على صور وبيت المقدس في عامي 1097م و 1098م. بعد ذلك عرض الفاطميين التعاون مع الصليبيين في قتال السلاجقة، مقابل أن يكون القسم الشمالي من بلاد الشام للصليبيين وفلسطين للفاطميين.
لم يتمكن الصليبيين من السيطرة على القدس إلا في عام 1099م، وذلك بعد أن سفكوا الكثير من دماء المسلمين، حيث قتلوا في القدس ما يقارب السبعين الفاً. وعلى الرغم من هذا كله، فإن الأمة كانت لا تزال زاخرة بأبطالها وكانت أرقى آنذاك في الحضارة والعلم من الصليبيين الأوروبيين.
ومن هؤلاء الأبطال، الذين أنهكوا الصليبيين طيلة مدة حكمهم، أقسنقر البرسقي، وعماد الدين زنكي، وأبنه نور الدين محمود، الذي كان نموذجاً فذاً للقيادة الإسلامية والذي تبنى مشرعاً نهضوياً حضارياً. وقد استطاع أن يوحد القوى الإسلامية في بلاد الشام، وأن يضم مصر إلى حكمه، وأن يسقط الخلافة الفاطمية فيها على يد واليه صلاح الدين الأيوبي. وتمكن من أن يحرر خمسين مدينة وقلعة من أيدي الصليبيين، وتوفي رحمه الله بعد أن ثبت فكي الكماشة (مصر والشام) على عنق الصليبيين.
وبعد وفاة نور الدين محمود، ظهر صلاح الدين الأيوبي حاملاً راية الجهاد، ومعيداً لوحدة مصر والشام. وبعد ذلك خاض المعركة الفاصلة، معركة حطين التي كانت في 4 يوليو 1187م، والتي أنهت الوجود الصليبي وفتحت بيت المقدس في 2 أكتوبر 1187م، أي بعد 88 عاماً من الحكم الصليبي. وقد أستمر الصليبيون في حملاتهم وتمكنوا من السيطرة على شريط ساحلي بين يافا وصور، وسيطروا مرة أخرى على القدس (بسبب صراعات داخلية في الدولة الأيوبية) في الفترة بين 1229 – 1244م إلى أن عادت إلى حاضنة الإسلام، واستمرت كذلك حتى الاحتلال البريطاني لفلسطين سنة 1917م.
المزاعم الدينية والتاريخية لليهود في فلسطين
حسب مزاعم وادعاءات يهود هذا العصر، فإن أرض فلسطين قد وعدها الله سبحانه لهم، وأنهم مرتبطين بها تاريخياً وروحياً ونفسياً، ويعزون ذلك الارتباط إلى حكمهم لها لفترة ما.
ونحن كمسلمين نؤمن أن لليهود حريتهم الدينية، ولكن ليس من حقهم أن يشردوا شعباً من دياره، ويسلبونه أرضه ومقدساته واملاكه تحت أي ذرائع. إن هذه الأرض مُنِحت لبني إسرائيل حينما استقاموا ورفعوا راية التوحيد، وأتبعوا رسلهم. ولكنهم بعد ذلك إعوجّوا وغيروا وقتلوا الرسل، وأفسدوا في الأرض؛ ففقدوا الأحقية.
إن المسلمين هم الورثة الحقيقيين لراية التوحيد، ودعوة الإسلام هي امتداد واستمرار لدعوة جميع الأنبياء والرسل. فالمسلمون هم أحق البشر بهذا الميراث بعد أن انحرف عنه اليهود والنصارى. إذن فالمشكلة لا تتعلق بالجنس والنسل والقومية، وإنما متعلقة باتباع المنهج، ونحن المسلمون ندرك ونؤمن أن منهج الأنبياء هو منهجنا، والشرعية التي منحها الله لأنبيائه وأتباعهم في حكم الأرض المقدسة هي بالضرورة دليل على شرعيتنا وحقنا في حكم هذه الأرض.
ففي الآية 124 من سورة البقرة، يبلغُ الله نبيه إبراهيم أن الإمامة والحكم لن يحوزها الظالمون من نسله؛ لأن المسألة متعلقة بالاستقامة على منهج الله، وليست متعلقة بالنسل. ولو كانت المسألة متعلقةً بالنسل، لأستحق إسماعيل ونسله هذا الحق الذي مُنح لإبراهيم، ولا أستحقه العرب المنتسبون إلى إسماعيل، جد العرب العدنانيين، ومنهم قريش وسيدها محمد صلى الله عليه وسلم.
ومن الناحية التاريخية، فلم يتعدى حكم بني إسرائيل على أجزاء محدودة من فلسطين الأربعة قرون. أما المسلمون فقد حكموها نحو 12 قرناً (636-1917). وفي حين ترك معظم اليهود فلسطين لمدة 18 قرناً، منذ 135م وحتى القرن الماضي، لم يتركها اهل فلسطين طوال الأربعة آلاف وخمسمائة سنة الماضية، إلى أن طُرد عدد كبير منهم قسراً على أيدي العصابات الصهيونية سنة 1948م، ومازال أهل فلسطين إلى اللحظة يجاهدون لاسترداد أرضهم دون أن يتنازلوا عنها.
وحسب بعض الباحثين والعلماء اليهود أنفسهم وعلى رأسهم آرثر كوستلر Arthur Koestler، فإن أكثر من 80% من يهود هذا العصر لا يمتون إلى بني إسرائيل ولا إلى فلسطين بأية صلة نسب أو تاريخ؛ لأن معظم اليهود المعاصرين هم من يهود “الخزر” الذين ترجع أصولهم إلى قبائل تترية قديمة استوطنت منطقة شمال القوقاز(جنوب روسيا) تهودت في القرن الثامن الميلادي بقيادة ملكها بولان Bulan سنة 740م، وعندما سقط ملكهم انتشروا في روسيا وشرق أوروبا، وهم ما يعرف الآن بيهود الأشكنار، فإن كان لهم حق في العودة فليعودوا إلى جنوب روسيا.
خلفية ظهور القضية الفلسطينية في التاريخ الحديث
إن تاريخ أوروبا الحديث مُكتظّ بالأحداث المتسببة في إنشاء المشروع الصهيوني. ففي القرن السادس عشر للميلاد، برزت الحركة البروتستانتية المؤمنة بالعهد القديم من التوراة، والتي تؤمن بأن اليهود هم أهل فلسطين. وقد آمن البروتستانت بنبوءة العهد الألفي السعيد، بأن اليهود سَيُجْمَعُونَ من جديد في فلسطين، استعداداً لعودة المسيح المنتظر الذي سيقوم بتنصيرهم، ثم يقودهم في معركة آرمجيدون Armageddon، وفيها ينتصر على أعدائه، ليبدأ بعد ذلك عهداً يمتد ألف سنة من السعادة.
ويمثل اتباع الكنائس البروتستانتية أغلب سكان هولندا وبريطانيا وأمريكا وقرابة نصف سكان ألمانيا. ومنذ الثورة الفرنسية على الحكم الملكي سنة 1789م، بدأت أوروبا الحديثة بالتشكل، وتشعشعت المشاعر الوطنية والفكر القومي، وَأُنْشِئَتْ أنظمة علمانية همشت دور الكنيسة. وحرروا اليهود ومنحوهم حقوق المواطنة، لا سيّما في أوروبا الغربية، الأمر الذي سهل على اليهود النفاذ إلى هذه المجتمعات والأنظمة، وتحقيقهم للنفوذ السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإعلامي.
أما في روسيا وأوروبا الشرقية، حيث يتواجد معظم يهود العالم، فقد أخذت الأمور مَنْحَى آخر، إذ قاوم يهود روسيا إجراءات الدمج والتحديث الروسية، والتي تميزت بالاستعلائية والقسر والإرهاب. وقد زاد عداء الحكومة القيصرية الروسية لليهود، بسبب مشاركتهم في الحركات الثورية اليسارية ضدها. وبعد اتهام اليهود باغتيال قيصر روسيا ألكسندر الثاني سنة 1881م، شرعت حزمة من الإجراءات العنيفة ضدهم سميت باللاسامية Anti-Semitism، أي العداء لليهود كونهم ينتمون إلى العنصر السامي، وقد أدى ذلك إلى نشوء المشكلة اليهودية، التي جعلت اليهود في روسيا يبحثون عن النجاة.
وبدأت أعداد كبيرة منهم في الهجرة إلى أوروبا الغربية وأمريكا. وكانت هذه الهجرة فرصة للحركة الصهيونية في الظهور والدعوة إلى حلّ المشكلة اليهودية، بإنشاء كيان آمن مستقل لليهود في فلسطين. وتعاطف الكثير من الأوروبيين والأمريكان مع هذه الدعوة، إما لخلفياتهم الدينية، أو للتخلص من أعباء تدفق اليهود على أراضيهم. وقد أدى ضعف الدولة العثمانية، التي كانت فلسطين تحت حكمها خلال فترة 1516-1917م، لسعي الدول الغربية لتقاسم أراضيها، وتعبئة الفراغ الذي ستتركه الدولة العثمانية، والحيلولة دون ظهور قوة إسلامية كبرى تخلفُ العثمانيين.
الخاتمة
إن فلسطين أرض عربية مسلمة مقدسة، بذل أبناؤها دمائهم رخيصة في سبيل تحريرها، إلا أن الطموح الصهيوني المدعوم بالقوى الكبرى، كان أكبر من طاقاتهم وخارج حدود إمكاناتهم. وقبل ذلك فقد خاض المسلمون نحو 11 قرنا من الصراع مع الغرب، وكان النصر دوماً حليفهم، وما أن تنتهي دولة مسلمة حتى تحل مكانها دولة مسلمة أخرى، تصون كرامتها وتحفظ لها عزتها، فجاءت دولة الراشدين والأمويين والعباسيين والمماليك. ومن بعد ذلك استطاع العثمانيون، الذين جاءوا بعد المماليك، فتح معظم دول أوروبا الشرقية، وجعل العالم العربي موحداً تحت رايتهم، فكانوا الحصن المنيع للإسلام لقرون عديدة. إلا أن الوهن الذي أصاب الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، أتاح الفرصة للأوروبيين أن يجدوا طريقة تضمن ألا تقوم بعد العثمانيين للعالم الإسلامي قائمة.

اترك تعليقاً