لمن ينصح بهذا الكتاب؟
لمحبي الفيزياء والعلوم، وللطلبة والمُعلمين.
عن الكتاب
“الله لا يرمي النرد” كتاب فيزيائي مُبسط، يناقش نظريتي النسبية والكم بأسلوب بسيط وشيق، مستخدماً تشبيهات من البيئة المحيطة.
عن المؤلف
محمود علام، روائي، وكاتب، وباحث، ومقدم برنامج (فيزيكس بالعربي) المتخصص في العلوم.
ماذا سنتعلم في هذا الكتاب؟
- نظرية توحيد القوى.
- العبقري والجاذبية.
- ماكسويل والذرة.
- اكتشافات مُبهرة.
- كشوفات ولغز فيزيائي.
المقدمة
(الله لا يرمي بالنرد). جملة مؤثرة، عميقة، وعبقرية، لا يقولها إلا عبقري مثل: (ألبرت أينشتاين) Albert Einstein، كرد على العالم (ويرنر هايزنبرج) Werner Heisenberg الذي قال إن سرعة الإلكترون وموقعه حول الذرة غير مؤكدين، ولا يمكن توقعهما معاً، بل توقع أحدهما دون الآخر. وصحة التوقع والنتيجة من عدمهما محتملة وليست أكيدة، وكل شيء خاضع للاحتمالات فقط، بمعنى إن سرعته أو وجوده أو عدمه محتمل وليس أكيداً. وقد عمم ذلك على الكون كله.
الله لا يرمي النرد. وبالمثل، لا شيء في الكون خُلق عبثاً، ولايعني عجزنا عن استيعاب وفهم كيفية وغرض وجود الكون، أن الكون خُلق عبثاً، فعقولنا دوماً قاصرة عن فهم تفكير الإله، ولماذا خلق كل شيء؟
إن التوجه العبثيي يكمن في أن نتخلى عن التفكير والتأمل، قبال مانشهده من تراكم العلم وزيادة الأسئلة. إن التأمل والتفكير هو خير مايمكن لنا فعله، بالإضافة إلى التذكر الدائم بأن الله لا يرمي بالنرد، وأن الكون لم يخلق الا لسبب.
نظرية توحيد القوى
إن قصة (إسحاق نيوتن) Isaac Newton والتفاحة التي سقطت عليه وهو جالس تحت الشجرة، لا تعدو عن كونها قصة خيالية وغير حقيقية، وتم ذكرها من باب التشويق. لقد غير نيوتن وقتها النظرة إلى الكون، عندما قال إن القوة التي تجعل التفاحة تسقط على الأرض، وتجعل الأرض تدور حول الشمس، هي قوة الجاذبية. وكانت هذه بمثابة أول نظرية لتوحيد القوى في تاريخ الفيزياء، وقد قال عنها العالم (ستيفن وينبرج) Steven Weinberg: “كان توحيد القوى التي تعمل على الأرض والسماء، توحيداً رائعاً لنظرتنا إلى الكون”.
المدهش في قوانين نيوتن للجاذبية، إنها حتى اللحظة، ما زالت تعطي نتائج دقيقة عند استخدامها؛ فلم تحتاج وكالة الفضاء الأمريكية لأكثر منها لإطلاق مكوكاتها للفضاء. لكن ظهرت مشكلة عويصة تكمن في أن نيوتن نفسه لم يكن يعرف آلية عمل الجاذبية، وكانت تلك المشكلة بمثابة أكبر لغز في تاريخ الفيزياء، حتى جاء العبقري (ألبرت أينشتاين) Albert Einstein وغير تاريخ الفيزياء والنظرة إلى الكون تماماً.
العبقري والجاذبية
“سرعة الضوء هي أقصى سرعة في الكون، ولا شيء يتخطاها”.
وضعت هذه الجملة أينشتاين في موقف حرج أمام العلماء الذين سألوه، بناء على افتراضه، وكان السؤال: بما أن سرعة الضوء أقصى سرعة في الكون، إذن كيف تعمل الجاذبية بذلك الشكل الفوري؟!
حسب افترض نيوتن، فإن تأثير الجاذبية فوري مهما اختلفت المسافات، وبناء على هذا الافتراض، لنفترض -من منظور علمي وافتراضي- أن الشمس اختفت من مكانها، وطبقاً لقوانين نيوتن، فإن ما سيحدث هو أن الكواكب ستخرج عن مساراتها حول الشمس فوراً؛ ولذا سنطير في الفضاء قبل حتى أن نشعر بالظلمة بسبب اختفاء الشمس، وهذا غير منطقي، لكن لماذا؟
لأنه بالنسبة لأينشتاين، فإن الضوء لا يصلنا من الشمس بشكل فوري، بل يستغرق حوالي 8 دقائق لكي يقطع مسافة 93 مليون ميل، والتي هي المسافة بين الأرض والشمس، حتى يصل إلى الأرض، وذلك يعني أن نيوتن كان مخطئاً في تصوره عن الجاذبية.
ولقد حل أينشتاين مشكلة معرفة آلية عمل الجاذبية بإضافة بُعد رابع للكون وهو الزمن، بالإضافة إلى الطول، والعرض، والارتفاع، ثم سماها بالنسيج الكوني أو الزمكان. ومن فهمه لهندسة الزمكان، قال كلاماً شديد التعقيد، ولكن يمكن شرحه في التخيل أن النسيج الكوني عبارة عن سطح مطاطي، وعند وضع كرة حديدية كبيرة على ذلك السطح، سنجد أن السطح هبط وتقعر للأسفل بسبب تأثير ثقل الكرة. وبإحضار كرات معدنية صغيرة، ودفعها لتمشي على ذلك السطح، سنجد هذه الكرات الصغيرة تنحدر في مسار دائري وتدور حول الكرة الكبيرة التي هي الشمس، وذلك بسبب المنحنيات التي صنعتها الكرة في السطح المطاطي.
معنى ذلك أن الكواكب لا تدور حول الشمس لأن هناك قوة تخرج منها لتجذب الكواكب إليها، بل بسبب كثافة كتلة الشمس التي تجبر الكواكب والأقمار على الدوران في منحنيات النسيج الكوني. طبعاً سمى العبقري أينشتاين تلك النظرية العبقرية (النسبية العامة)، وكانت هذه النظرية هي التي جعلت عيون المجتمع العلمي كله متمركزة عليه، وأهلته للحصول على جائزة نوبل في الفيزياء سنة 1921، عن ورقة قدمها عن التأثير الكهروضوئي.
في الواقع لم يكن أينشتاين راضياً عما قدمه للفيزياء، وكان يطمح إلى أن يوحد بين نظريته وبين الطاقة الكهرومغناطيسية، من أجل أن يبتكر نَظَرِيَّة تصفُ كل شيءً حدث عند نشأة الكون.
ماكسويل والذرة
لاحظ عالم إسكتلندي -قبل خمسين سنة من زمن أينشتاين- يدعى (جيمس ماكسويل) James Maxwell، أن المعدن يكتسب خَوَاصّ، مغناطيسية، واستاتيكية أي ساكنة، عند مرور تيار كهربي فيه. ومن خلال أربع معادلات، استطاع أن يوحد بين القوتين الكهربائية والمغناطيسية ليتوصل إلى مفهوم جديد، وهو الطاقة الكهرومغناطيسية. وكانت خطوة عظيمة كخطوة نيوتن عند اكتشافه لقوانين الجاذبية، وتمثل نقلة في معادلات توحيد القوى. كان أينشتاين شديد الإعجاب بمكسويل ونيوتن، وكان يؤمن بأن ما فعله هذان الإثنان، هو خطوة مهمة في طريق المعادلة الأُم، التي يمكن أن توحد نظرتنا للكون.
وبعد خمسين سنة من ذلك الوقت، حاول أينشتاين توحيد نظريته مع القوة الكهرومغناطيسية، ولكن واجهته مشكلة ماهية الفرق بين الجاذبية وقوة وشدة الطاقة الكهرومغناطيسية. إن القوة الكهرومغناطيسية أقوى بملايين المرات من الجاذبية، فمثلاً: نستطيع باستخدام عضلاتنا أن نتغلب على الجاذبية، كرفع جسم ما من على الأرض. مثال آخر وهو أننا لا نستطيع أن نخترق حائطاً أثناء سيرنا، لأن القوة التي تمنعنا من ذلك هي القوة الكهرومغناطيسية، الموجودة في الشحنة السالبة على محيط الذرات، التي تجمع بين جزيئات المادة وتربطها ببعضها بشكل متماسك.
اكتشافات مُبهرة
ظهرت اكتشافات فيزيائية جديدة على المستوى الذري، جعلت أينشتاين يقف عاجزاً عن مجاراتها؛ لأنه كان مُتَمَسِّكًا بشدة بنظريته النسبية، وأهمل الاكتشافات التي ظهرت وقتها، مما أدى به إلى الفشل في توحيد قوتي الجاذبية والكهرومغناطيسية. وفي أواخر عشرينيات القرن الماضي، جاءت مجموعة من العلماء يرأسهم (نيلز بور) Niels Bohr و (هايزنبرج) Heisenberg، وقدموا نظرية قلبت الفيزياء رأساً على عقب. اعتقد هؤلاء أن الذرة ليست أصغر جزء في المادة، كما كان يظن الجميع وقتها، وأنها تتكون من بروتونات ونيوترونات تدور حولها أجزاء أصغر اسمها الإلكترونات.
وفي ذلك العالم المتناهي الصغر، أصبحت معادلات ماكسويل وأينشتاين عديمة الجدوى في وصف ما يحدث على المستوى الذري، وشرح سلوك تلك الجزيئات المتناهية الصغر؛ حيث إن الجاذبية ليست لها قيمة على المستوى الذري، وفي نفس الوقت لم تفلح الكهرومغناطيسية، المسؤولة عن ربط الذرات ببعضها، في وصف ما يحدث بداخل الذرات نفسها.
بعد تعقد الأمور وتشابكها، توصل العبقريان هايزنبرج وشرودنجر إلى النظرية الأسطورية، نظرية ميكانيكا الكم Quantum Mechanic. كانت النسبية تؤكد أن الكون بكل ما يحدث فيه منظم جداً، ويمكن توقع أحداثه بسهولة، لكن ميكانيكا الكم نسفت ذلك نسفاً؛ لأنها تقول إن العالم -على المستوى الذري- عالماً من الاحتمالات، لا توجد فيه أحداث منظمة أو معروفة، عالم اللاتأكيد.
في ميكانيكا الكم، كل شيء مجرد احتمال ولا يوجد أي شيء مؤكد، وحسب الحسابات الرياضية للنظرية، فإنها تظهر أن ذرات أجسادنا لديها الفرصة أن تعبر المسام الذرية لجسم صلب -حائط مثلاً- بمجرد الاصطدام به، لكن احتمال ذلك صغيراً جداً لدرجة اللانهاية. أما على المستوى الذري، فتلك الاحتمالات تحدث بشكل أكبر بكثير.
رفض أينشتاين فكرة أن أقصى إجابة يمكن التوصل لها هي احتمال وليست مؤكدة. وحسب مبدأ التأكد لهايزنبرج، يمكن التوصل لنتيجة واحدة فقط من النتيجتين، إما سرعة الإلكترون أو موقعه حول الذرة، حتى النتيجة المتوصل إليها هي مجرد احتمال غير مؤكد. هذه الفكرة جعلت أينشتاين يقول لهايزنبرج: “الله لا يرمي بالنرد”، وهو ما جعل هايزنبرج يرد قائلاً: “توقف عن إخبار الرب بما يجب عليه فعله”. وبالفعل ظهر أن أينشتاين كان مخطئا؛ لأن ميكانيكا الكم نجحت، بدقة مذهلة، في وصف العالم على المستوى الذري.
كشوفات و لغز فيزيائي
قدمت ميكانيكا الكم كشوفات، وفتحت الباب على مصراعيه للتقدم العلمي في القرن العشرين. كان العلماء يعتقدون أن الجاذبية والقوة الكهرومغناطيسية هي القوى التي تحكم الذرة، لكن حسابات ميكانيكا الكم أظهرت أن هناك قوتان إضافيتان: التفاعل النووي القوي والتفاعل النووي الضعيف. التفاعل النووي القوي هو المسؤول عن ترابط مكونات الذرة نفسها مع بعضها، وأهم تطبيقاتها القنبلة النووية المستخدمة في الحرب العالمية الثانية.
أما التفاعل النووي الضعيف، فهو القوة التي تسمح بتحول النيترونات المتعادلة الشحنة إلى بروتونات موجبة الشحنة، مما ينتج عن ذلك الإشعاع الذري الناتج عن التحلل الإشعاعي. المهم هنا أن الجاذبية ليست لها قيم بداخل الذرة، بمعنى أنها موجودة وتعمل في العالم الخارجي المرئي فقط. وبنفس الطريق، ميكانيكا الكم تصف العالم المادي على المستوى الذري والجزيئي، لكن على مستوى الأجرام والأجسام الكبيرة فإنها تعطي نتائج خاطئة تماماً.
تلك هي المسألة، لابد من نظرية تجمع بين الأثنين؛ لأن الأجسام الكبيرة والكواكب تتكون من نفس المادة التي تتكون منها الجزيئات، والكون كله يتكون من نفس الذرات. ذلك هو لغز الفيزياء الحديثة، لا أحد يعرف كيفية الدمج بين النسبية وميكانيكا الكم.
أُصيب العلماء بالإحباط؛ لأن القاعدة العامة للفيزياء تنص على أن قوانين الطبيعة الصحيحة، يجب أن تطبق في كل مكان وعلى أي شيء موجود في الطبيعة، وذلك الذي استحال تحقيقه بين النسبية وميكانيكا الكم، وظل العلماء يستعملون النظريتين بشكل منفصل، وحققوا كشوفات مذهلة في دراسة الكون، وساهم ذلك بشكل أساسي في التقدم الذي وصلته البشرية حتى الآن.
الخاتمة
من أين جئنا؟
من أين جاء الكون؟
من أين جاء من جاء بنا؟
إن كل ما نعرفه علمياً ودينياً وبكل التكنولوجيا المعاصرة التي توصلنا إليها، ما زال لا يكفي لإجابة أي من تلك الأسئلة، وطرح هذه الأسئلة لا يعني بوجه أو بآخر الإلحاد، الذي أصبح نوعاً جديداً من الموضة المتماشية مع رغبة الشباب في إظهار-ما يعتقدون أنه- ذكائهم وتميزهم عن الآخرين.
ليس من الذكاء أن تنكر وجود خالق الكون، لأنك ببساطة غير قادر على استيعاب وجود ذلك الكيان الخارق للطبيعة، الذي لا يمكن تفسيره بالقواعد الفيزيائية أو العقلية البشرية القاصرة. في الحقيقة، إن كل شيء في الكون لم يخلق عبثاً؛ فالأدلة موجودة في كل مكان، لكن العقول هي من تأبى التصديق بسبب ضيق أفق أصحابها. تلك هي الحقيقة التي تُعبر عن نضج قابليها، وأن الله لا يلعب النرد.
[wpse_comment_form]

اترك تعليقاً