الاستعمار الإلكتروني والإعلام

لمن ينصح بهذا الكتاب؟

  • لمن لم يعلم أنه الآن مُسيطر عليه إلِكترونياً.
  • لمن لا يعلم ما هو الاستعمار الإلِكتروني.
  • لمن يريد أن يعرف معنى وتاريخ وأبعاد العولمة وعلاقتها بالاستعمار الإلِكتروني.

عن الكتاب

يدرس كتاب (الاستعمار الإلكتروني والإعلام) الاستعمار الإلكتروني، كأحدث شكل استعماري يهدف إلى السيطرة الأمريكية على العالم، عن طريق العولمة التي تعتبر أحد أهم أركان هذا الاستعمار.

عن المؤلفة

الأستاذة عبير شفيق الرحباني، إعلامية في إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية، حاصلة على شهادة البكالوريوس في إدارة الأعمال وماجستير في الإعلام، تعمل مستشارة إعلامية لدار أسامة للنشر، وعضو في العديد من الهيئات، لها العديد من المؤلفات والأبحاث المنشورة.

الأفكار الرئيسية

  • الإعلام الجديد
  • الإعلام الجديد.. استعمار بقوالب جديدة 
  • العولمة طريق للاستعمار الإليكتروني
  • العولمة تاريخها وأبعادها

المقدمة

إن التقدم والتدفق المعلوماتي والمعرفي والإعلامي الكبير الذي يعيشه الفرد اليوم، والذي جعله أكثر انفتاحاً على الآخر، لم يمنح هذا الفرد ومجتمعه إلا وهماً إعلامياً مربكا لهما.

وعلى الرغم من إيجابيات ثورة التكنولوجيا المُتمثلة في إحداث التغير والتطور الإعلامي، إلا أن الآثار السلبية لهذا التغير على مجتمعنا العربي كانت أكثر من إيجابياته، حيث أن الإعلام الجديد والمنبثق من هذه الثورة، لم يجعل المجتمع العربي ومكوناته يشعرون بحالة من القلق والفوضى والخوف والإنحرافات فحسب، بل جعلهم لا يعتدّون بأي أخبار أو معلومات ترد عبره، وهو ما سبب إنحطاط في أخلاقيات المهنة.

وفي سبيل السيطرة على الفِكر والعقل البشري، استخدمت وسائل الإعلام الحديثة طرق عديدة، منها تقديم برامج مؤدلجة وتغطية أحداث مُعيّنة خصوصاً السياسية منها، والتي أدخلت المجتمع العربي في حالة من الفوضى والانفلات والسجال الإعلامي، وهذا ما يجعل من الاستعمار الإلكتروني السبب الرئيسي ليس لتدهور الإعلام العربي فقط، بل وتدهور الأوضاع الاجتماعية والثقافية للمجتمع العربي، من حيث سلوكيات أفراده وأخلاقهم ولغتهم وهويتهم.

الإعلام الجديد

إن مفهوم الإعلام الجديد يطلق على الوسائل الإعلامية الإلكترونية والرقمية البديلة للتقليدية، حيث أن الإعلام الجديد يتضمن الأجهزة الإلكترونية الذكية وجميع شبكات التواصل الاجتماعي وعلى رأسها (الفيسبوك).

وعلى الرغم من رخص تكلفة وسائل الإعلام الجديد، إلا أنه يتميز بكونه نشاط شبكي، تفاعلي، مجتمعي، ورقمي ينشر المحتوى ويستقبله في آن واحد، وبسرعة كبيرة.

وشرط هذا التميز هو وجود شبكة الإنترنت التي تُتيح لوسائل الإعلام الجديد عملية إرسال الصوت، والصورة، والفيديوهات، بل وحتى إجراء المحادثات والمكالمات المجانية.

ومن المستغرب أن الإعلام الجديد لم ينتشر بصورة تدريجية كما فعل الإعلام التقليدي، بل كانت عملية انتقاله وانتشاره سريعة، بحيث غيرت دور الفرد من مجرد متلقي للمحتوى إلى صانعٍ له ومتحكم فيه.

يتخذ الإعلام الجديد عدة أشكال، منها إعلام شبكي، وإعلام هاتفي ذكي، وإعلام حاسوبي. وهذه الأشكال كلها تتميز باحتوائها على شبكات التواصل الاجتماعي، والتي منها: الفيسبوك، تويتر، سكايب، ماي سبيس، فليكر، لِنكدان، يوتيوب، وغيرها من برامج التواصل الاجتماعي المُتجددة باستمرار.

ويعتبر الفيسبوك أحد أهم وأبرز مواقع التواصل الاجتماعي، أما تويتر فهو شبيه الفيسبوك، في حين أن سكايب وتانجو يتيحان التحدث من خلال الصوت والصورة بشكل مجاني عبر الإنترنت.

وبخصوص ماي سبيس فهو موقع يتيح نشر الصور والفيديوهات والموسيقى، وكتابة المدونات بشكل تفاعلي، أما فليكر فهو موقع يتيح حفظ الصور ونشرها والتعليق عليها. بينما يقوم لِنكدان بتسهيل الحصول على وظائف من خلال عرض السيرة الذاتية لطالبي الوظائف على رجال الأعمال حسب تصنيف الوظيفة.

ويعد اليوتيوب من أوسع وسائل التواصل الاجتماعي إنتشاراً، بحيث أنه أصبح ظاهرة ثقافية وإبداعية اجتماعية يُمكِن من خلاله مشاهدة الفيديوهات المتنوعة المجالات، بل أنه فتح الباب على مصراعيه لأفراد المجتمع لاستعراض مواهبهم ورفعها عليه، حتى يتمكن الآخرين من مشاهدتها.

وقد جاءت فكرة إنشاء اليوتيوب عندما أرادا تشاد هيرلي وستيف تشين، نشر الصور التي التقطاها في احتفال في ولاية سان فرانسيسكو الأمريكية، فقاموا بإنشاء موقع (اليوتيوب) في 2005 بولاية كاليفورنيا بمساعدة جويد كريم.

وحسب جوجل المالكة الحالية ليوتيوب، إن مستخدميه يقومون بالدقيقة الواحدة تحميل ما يزيد عن 35 ساعة فيديو، أي 2130 ساعة فيديو في الساعة و 5400 ساعة فيديو في اليوم، وهذا يعني عدد ساعات بثّ تفوق بث غير منقطع لثلاث من كبريات المحطات التلفزيونية الأمريكية في 60 عام.

وعلى الرغم من الإيجابيات الكثيرة لليوتيوب والتي منها التوثيق، والتحول الإيجابي لنظرة الغرب للعرب، وفضح الغرب وعرض سلبياته، إلا أنه يمثل استعماراً إلكترونياً بهدره الكثير من طاقات وأوقات الأفراد الذين يستخدمونه بشكل مستمر.

الإعلام الجديد، استعمار بقوالب جديدة

إن تدمير أو تشويش بث المحطات الإذاعية والتلفزيونية الرسمية، كان فيما مضى من أهم الأهداف الاستراتيجية لأطراف أي حرب، ولكن التقدم التكنولوجي المشهُود والمعاصر، طور هذا الهدف ليصبح الاستعمار أو الاختراق الإلكتروني لمواقع العدو حرباً إعلاميةً مستقلة.

والاستعمار الإلكتروني هو شكل جديد من أشكال السيطرة والهيمنة الإلكترونية والإعلامية على العقول العربية، وأمركتها وتغيير الإتجاهات والعادات والمعتقدات وأنماط الحياة، وذلك من خلال العولمة والثورة التكنولوجية.

ولقد كان الإعلام الجديد هو السبّاق في توسعة نطاق ثورات الربيع العربي، وذلك عبر شبكتي التواصل الاجتماعي (الفيسبوك وتويتر)، ومن ثُمّ عبر القنوات العربية.

وبما أن الفيسبوك من أبرز شبكات التواصل الاجتماعي التي ساهمت في توسيع رقعة ثورات الربيع العربي، فهناك من يقول أنه كان السبب الرئيسي لإطلاق هذه الثورات، وهناك من يقول، أيضاً، إن شبكات التواصل الاجتماعي ومنها الفيسبوك لا تطلق ثورات، ولكن ما يخلق الثورات هم الحكام المستبدون والفقر والغضب، وأن الفيسبوك ما هو إلا منظم ومروج لهذه الثورات.

ولكن الواقع يثبت عكس ما قيل تماماً، حيث أن المُحرّك الرئيسي لهذه الثورات هي المخططات الصهيو-أمريكية، فهي من رسم خارطة جديدة للوطن العربي من أجل تغيير معالمه وحدوده بما يتوافق مع مصالح أمريكا وبما يحقق الحلم الصهيوني.

ومن الخطأ أيضاً، الاعتقاد بأن الفيسبوك لم يكن سوى منظم ومروج لثورات الربيع العربي، لأنه قام بعكس ذلك تماماً، حيث أنه شتت أذهان الناس وحاول السيطرة عليهم من خلال المجموعات المتشددة المتواجدة عليه، ونشر الأكاذيب والفتن والفوضى، وحرض الناس على الخروج إلى الشارع بحجة الإصلاح ومحاربة الظلم والفساد. وهذا ما أربك المواطن العربي وجعله غير قادر على التفريق بين الصور المتناقضة على نفس الشبكة، وتحول إلى شخص قلق ومشتت ذهنياً بين عقله وعاطفته.

ومن هنا يخلًص المرء إلى أن المُحرّك الرئيس للحُلم الصهيوني كان (الاستعمار الإلكتروني)، الذي بذل الجهد الجهيد في تشتيت العقول العربية، وأشاع الفوضى، وخلط الحابل بالنابل، وكل هذا بواسطة التقنيات الحديثة ووسائل الإعلام الجديدة، التي يساندها مرتزقة وجماعات متشددة مزروعة في دول الربيع العربي -أو الربيع العبري- التي شهدت أحداثاً دموية لا تزال آثارها إلى اللحظة.

العولمة طريق للاستعمار الإليكتروني

تُعتبر العولمة أحد أسباب الاستعمار الإلكتروني الحالي، حيث أن لها جذور اقتصادية ونتائج سياسية متعلقة بالبيئة الدولية، وهي خطوة رفاهية لعالم يطلب الاستقرار.

ومما لا يمكن نكرانه، أن تكنولوجيا الاتصال نشرت المعرفة وحدّت من الرقابة على وسائل الإعلام، ومنها الإنترنت صانع الصحافة الإلكترونية والإعلام الرقمي.

وقد قامت العولمة بإزالة الحواجز الوطنية بين الدول، وغيرت سياسات دول لم تكن مُستعدة بعد لهذا التغيير، ودمجت كُبرى الشركات بالشركات الصغيرة، الأمر الذي أدى إلى ظهور مؤسسات تفوق ميزانيتها ميزانيات بعض الدول. وقد قلصت العولمة السيادة الوطنية عن طريق نظام الخصخصة وبزيادة أدوار الشركات.

وفي إطار ما سبق، تصبح حتمية تكنولوجيا الاتصال هي المُغير القسري للدول وأنظمتها، على الرغم مما تسببت به من ضغوطات نفسية على الأنظمة وشعوبها، فكثرت المخالفات وازدادت عملية وضع قوانين غير مقنعة، وهذا ما سبب خطورة على المجتمعات السلطوية والشمولية.

وبهذا فإن العولمة تعني تفضيل وتغليب الشأن الأمريكي على الشأن المحلي، عبر استخدام نماذج سلبية جاءت كنتاج لتفاعلات العولمة الأمريكية الساعية -عبر الإعلام الأمريكي الخارجي- إلى احتكار التدفق الإعلامي العالمي للمعلومات والسيطرة على الفضاء المعلوماتي.

وما يشهده العالم اليوم وخصوصاً الدول العربية من جائحة إلكترونية، ما هو إلا شكل استعماري جديد وخطير مهدت له العولمة المتعددة المجالات.

ومن أجل أن يشمل الاستعمار كل المجالات، لا بد للعولمة المُمهِدة له، أن تشمل هذه المجالات، والتي منها العولمة السياسية، والاقتصادية، والإعلامية، والاجتماعية، والثقافية.

وعلى الرغم من تنوع مجالات العولمة، إلا أنها تُشكل كتلة واحدة غير قابلة للفصل، فالعولمة تشمل كل المجالات، وتركز في المقام الأول على التقدم التكنولوجي والمعلوماتي.

العولمة تاريخها وأبعادها

على الرغم من صعوبة صياغة تعريف شامل للعولمة، إلا أنه يمكن رصد تاريخها للوصول إلى تعريفات أقل ما يقال عنها أنها مُلِمّة. حيث يرى الباحثون أن عولمة اليوم هي نتيجة تراكمية لعولمات صغيرة قديمة، غير أن عولمة اليوم هي الأكثر توسعاً وتسارعاً وسيطرةً بسبب حتمية تكنولوجيا الاتصال.

ولقد كان العرب الأوائل هم المسيطرون على الملاحة بين الهند وإيران وسواحل أفريقيا الشرقية، وكانوا من المطورين لأنظمة التجارة، فضلاً عن حفاظهم على سيادتهم واستقرارهم في منطقة الخليج العربي وجزيرة هرمز.

وقد كان العرب هم السبّاقون أيضاً في العلم والثقافة، وذلك قبل أربعين قرناً من الزمن، ولكن البرتغاليون في القرن الخامس عشر استطاعوا صنع أسطول عابر للمحيطات يمكنه حمل 100 مدفع، في محاولة لتحييد السيطرة العربية على النظام التجاري العالمي آنذاك.

ومنذ النصف الأول من القرن العشرين، والغرب هو من يمسك بزمام العولمة ولكن بمفهومها القديم، أي السيطرة والاستعمار المباشر للدول الضعيفة.

ولقد كانت الشرارة الأولى للعولمة الكُبرى هي إحدى نتائج الحرب العالمية الثانية، حيث أنها لم تقتصر على الهيمنة العسكرية فحسب، بل تجاوزت ذلك إلى الهيمنة الثقافية والإعلامية والاقتصادية والاجتماعية، وهي اللحظة التي بدأ فيها الاستعمار الإلكتروني في الظهور والسيطرة على مجالات الحياة.

ومن الواضح أن الأمركة التي تعتبر أحد أركان العولمة، تعاني من اختلال في التوازن. فحينما تسعى الأمركة إلى تعميم وعولمة ثقافتها في أنحاء المعمورة، تسعى في نفس الوقت إلى إحياء الثقافات المختلفة، ولكنها بذلك تحاول دمج الثقافات المختلفة، وإنشاء فضاء ثقافي مشترك ، حتى تسمح لمنتجات الثقافة الأمريكية بالقبول والمنافسة بشكل عالمي، وهذا هو البعد الثقافي للعولمة الأمريكية، فضلاً عن الأبعاد الاقتصادية، والتكنولوجية، والإعلامية، والسياسية، والتي تهدف جميعها إلى السيطرة الأمريكية على الاقتصاد، والتكنولوجيا، والإعلام، والسياسية.

الخاتمة

إن من الإنصاف، الاعتراف بأن الثورة التكنولوجية التي أنتجت العولمة لها إيجابياتها كما لها سلبياتها، ومن المنصف أيضاً الاعتراف بأن هذه العولمة قربت البعيد وأنطقت الحديد، وأتت بكل شيء جديد، فساعدت على الانفتاح والتبادل المعرفي والمعلوماتي، وتبادل الخبرات، وتدفق رؤوس الأموال، ولكنها في المقابل غلبت الجانب المادي للحياة على جميع الجوانب الإنسانية، والثقافية، والدينية، والقومية، والوطنية.

وللأسف فقد سمحت الشعوب والمجتمعات العربية لهذه العولمة أن تدمر نسيجها وتُعولم إعلامها العربي، وأنماطها، وسلوكياتها، وثقافتها، ولغتها حتى وصل الأمر بالطفل العربي أن يُصبِح معولماً.

وبينما تستقبل الشعوب العربية التكنولوجيا التي صنعها الغرب بسذاجة وابتسامة عريضة، وتستخدمها دون أدنى إدراك لإبعادها الاستراتيجية الخبيثة على الأمة، تستخدمها شعوب الغرب بطريقة حضارية ذكية.

ومن المُعيب أن ننسى أن العولمة هي طريق الاستعمار الإلكتروني، أي العدو الذي أدخلناه منازلنا واعتبرناه ضيفاً دائماً، بل أصبح جزءً مِنّا، من هويتنا، ومن عقولنا وأذهاننا، فشاركناه عاداتنا وتقاليدنا، ومنحناه أسرارنا وأعمارنا حتى تمكن منا. فلم نعد نحن نحن، وقد أصبحنا نسخة مؤمركة تابعة لكل ما هو أمريكي وأجنبي، وهكذا سنظل نرحب بهذا العدو كلما جد جديده، متغاضين عن خبثه ووعيده، حتى يقضي على الأمة العربية هويةً ولغةً وثقافةً وحضارةً.


Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *