لمن يُنصح بهذا الكتاب
- لدارسي وباحثي نظريات العلاقات الدولية.
- لكل من يرغب بمعرفة الكيفية التي يُنظر فيها إلى الظواهر الدولية.
عن الكتاب
يناقش كِتاب “نظريات العلاقات الدولية: الموضوعية والتحيز” نظريات العلاقات الدولية وتشتتها بين التحيّز واللاموضوعية، آخذاً الغزو الأمريكي للعراق مثالاً لهذه اللاموضوعية.
عن المؤلف
د. سعد فضالة حمزة، باحث ودبلوماسي في وزارة الخارجية العراقية، حاصل على شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة بغداد.
الأفكار الرئيسة
- الفرق بين عدم الموضوعية والتحيز.
- الموضوعية والتحيز في النظريات الوضعية في العلاقات الدولية.
- الموضوعية والتحيز في النظريات ما بعد الوضعية في العلاقات الدولية.
- دراسة حالة الحرب الأمريكية على العراق عام 2003.
المقدمة
اهتم باحثون ودارسون بالنظريات السياسية والإجتماعية والاختيار من بينها، من أجل الوصول إلى استنتاجات موضوعية في دراساتهم. إلاّ أن هذه النظريات كانت نتاجات بشرية تطورت مع الزمن، فتأثرت برؤى المفكرين الذين انتجوها وأفكارهم وطموحاتهم، ومن ثم صُيغت استنتاجاتها بما يتوافق مع رؤاهم وأفكارهم وطموحاتهم. فافتقدت أغلب -إن لم يكن جل- هذه النظريات للـ “موضوعية” التي هي أحد أهم شروط النظرية العلمية.
وقد يرى مختصون في تخصص العلاقات الدولية بداهة الافتراض القائل: (عدم موضوعية نظريات العلاقات الدولية)، إلاّ أن الممارسات الفعلية والنشاطات الأكاديمية لمفكرين وباحثين كثيرين، تميل إلى ترجيح نظرية على حساب أخرى، بدعوى تجردها عن القيم الشخصية وموضوعيتها في دراسة الظواهر الدولية.
تحاول هذه الدراسة البحث في حل إشكالية عميقة في تخصص العلاقات الدولية، دارت نقاشات بشأنها وتعددت الحوارات حولها بين هذه النظريات، وتنص هذه الإشكالية على أنه: (رغم تعدد النظريات في تخصص العلاقات الدولية وتطورها، إلاّ أن هذا التخصص يفتقر لنظرية موضوعية “حيادية” يُمكن الإطمئنان إليها، في دراسة الظواهر الدولية). ويسعى هذا الكتاب للتأكد من مدى صحة هذه الفرضية.
الفرق بين عدم الموضوعية والتحيز
أن سمة عدم الموضوعية ترافق أغلب النظريات في العلوم الإنسانية، إن لم تكن جميعها. ولا نرى إن عدم الموضوعية صفة سلبية بالمطلق، لأنها الحالة الطبيعية للعلوم التي أنتجها الإنسان، ما دام الأخير لا يمتلك المعرفة المطلقة. وهو ما نلمسه في نظريات العلاقات الدولية -بوصفها إحدى فروع المعرفة الإنسانية- وإن إدَّعت بعض هذه النظريات موضوعية فرضياتها ورؤآها.
وهنا ينبغي الإشارة للفرق بين عدم الموضوعية، وبين التحيز في نظريات العلاقات الدولية، فالأولى يمكن قبولها وتبريرها بسبب المعرفة النسبية التي يدركها الإنسان عن الظواهر الدولية، أما الثانية “التحيز” فلا يمكن تبريره، لأنه لا يقوم على أساس ابستمولوجي (معرفي)، بل إنه يستند إلى مصالح الأفراد والمنظرين وسعيهم لإنتاج رؤى وافتراضات متحيزة لصالح أيديولوجيتهم، أو دولهم على حساب الدول الأخرى.
الموضوعية والتحيز في النظريات الوضعية في العلاقات الدولية
تؤثر الأحكام الشخصية والمعايير القيمية على موضوعية النظريات الوضعية (العقلانية) في العلاقات الدولية، إذ أكدت النظرية المعيارية أهمية القيم والمعايير الأخلاقية والدور الذي تؤديه في رسم السلوك السياسي لصانع القرار، وأولويتها على المصالح القومية للدول. ويظهر تحيز النظرية المعيارية في العلاقات الدولية في تأثير القيم الأخلاقية، كالمساواة والعدالة الدولية والحرب العادلة والقيم الأخلاقية العالمية ونحوها، عند تفسيرها لسلوك الوحدات الدولية، إذ يرى منظروها أن الأحكام المعيارية والأخلاقية هي ما يُحدد سلوك الدول ومصالحها.
أما النظرية الواقعية سواء كانت التقليدية أم البنيوية، ورغم محاولتها التجرد من القيم الأخلاقية في أحكامها، إلاّ أنها جعلت من “المصلحة” و”القوة” بالنسبة للواقعية التقليدية، و”البنية الدولية” بالنسبة للواقعية البنيوية، بمثابة أحكام معيارية تفسر بواسطتها سلوك الوحدات الدولية. ولمّا كان هذه المصطلحات تخضع للتفسيرات الفردية في تحديدها من جانب، وعدم احاطتها لجميع سلوكيات الدول وسياساتها من جانب آخر، فإن التفسيرات التي استندت إليها الواقعية اتسمت بعدم الموضوعية.
كما استندت النظرية الليبرالية التقليدية إلى ثلاثة أسس قيمية وهي (القيم الديمقراطية، والتبادل التجاري، والمنظمات الدولية). أما الليبرالية المؤسساتية فقد أكدت المصالح القومية، ومحوريتها لسلوك صانع القرار وفق مبدأ «المصالح المشتركة»، وأن تحقيق هذه المصالح يكون من خلال الاعتمادية الدولية المتبادلة، التي تساعد على إيجاد بيئة دولية أكثر استقراراً. إلاّ أن إمكان تحقيق المصالح القومية للدول مع ضمان السلام العالمي من خلال القيم الديمقراطية والتبادل التجاري والمنظمات الدولية بالنسبة لليبرالية التقليدية، أو من خلال المؤسسات الدولية والاعتمادية المتبادلة بالنسبة لليبرالية المؤسساتية، يصعب بلوغه في ظل المصالح المتناقضة والمتشابكة بين وحدات النظام الدولي. ومن ثمَّ، فإن افتراضات الليبرالية وتفسيراتها هي الأخرى تفتقد إلى الموضوعية الكاملة، لأنها تستند إلى أسس معيارية وأخلاقية تخضع للأحكام الشخصية والقيمية.
الموضوعية والتحيز في النظريات ما بعد الوضعية في العلاقات الدولية
تتفق النظريات ما بعد الوضعية، بكونها جاءت ناقدة للمنظورات التقليدية التي هيمنت على تخصص العلاقات الدولية خلال القرن الماضي. ومن المناسب ضم البنائية والنسوية وما بعد البنيوية والمدرسة الانكليزية والنظرية النقدية، إلى بعضها البعض من جانب اتفاقها على رفض ادعاءات النظريات التقليدية، بأن موضوعات العلاقات الدولية (كالحرب والأمن القومي والسيادة والمصلحة القومية والعولمة والأسلحة والمعايير الدولية ونحوها) تُعد موضوعات معطاةً، ومسلماً بوجودها بغض النظر عن الأحكام الذاتية والقيمية التي يؤمن بها المُنظِّر أو المراقب، بل تتكون بناء على معايير خاصة سواء كانت نسوية أم اجتماعية أو نقدية أو غيرها.
ولعلَّ افتقار الموضوعية في النظريات ما بعد الوضعية، باتَ واضحاً في تفسيراتها لظواهر العلاقات الدولية. فقد حاولت أن تختبر الظواهر الدولية بأدوات وأساليب غير تقليدية، تتوافق مع الطبيعة الاجتماعية للتفاعلات السياسية الدولية المعاصرة. إذ آمنت النظرية البنائية بأن العلاقات الدولية وظواهرها وتفاعلاتها، لا يمكن أن تؤخذ بوصفها «مواضيع» معطاة أو أشياء مُسَبَّقّة، بل ينبغي دراستها بوصفها تكوينات يتم تأسيسها أو تكوينها اجتماعياً، إذ تؤثر الأفكار والمعايير والفهم المشترك في تحديدها.
أما المدرسة الإنكليزية فقد اتخذت من المجتمع الدولي بكونه “معيارا” و”قيمة عليا”، بإمكانه أن يحقق المصالح القومية للدول والأمن والإستقرار والسلام العالمي، في حين حاولت المقاربة النسوية أن تنتقد النظريات التقليدية بكونها غير حيادية، وأكدت على أن اعادة تكوين السلوك السياسي لصانع القرار وفق القيم الجندرية والمساواة بين الجنسين يجعل التفاعلات الدولية أكثر سلمية. أما النظرية النقدية فقد أكدت أن النظريات التقليدية مشبعة بالقيم، مما يجعلها غير حيادية، إذ لا يمكن الفصل بين النظرية والمحلل، في الوقت الذي أكدت فيه ما بعد البنيوية أهمية الممارسات الخطابية واللغة في تكوين ظواهر العلاقات الدولية وموضوعاتها. ومن ثمَّ، فإن الظواهر الدولية تكون نتاجاً للغة والخطاب الذي يمارسه صانع القرار أو الباحثين، وليست هي إنعكاس للواقع الدولي بذاته.
دراسة حالة الحرب الأمريكية على العراق عام 2003
يمكن تلمس عدم موضوعية نظريات العلاقات الدولية بطريقة إمبريقية (تجريبية)، من خلال دراسة حالة الحرب على العراق عام 2003، وعرض النظريات الوضعية وما بعد الوضعية ورؤآها لأسباب الحرب ومبرراتها. فالنظرية المعيارية في العلاقات الدولية رأت أن معظم معايير نظرية الحرب العادلة، سواء تلك المعايير في مرحلة ما قبل الحرب، أو خلالها أو المرحلة التي تليها، لم تُطبق في هذه الحرب. ولم تعكس هذه الحرب العدالة، ولكنها جلبت خسائر فادحة لكلا الطرفين. فمما لا شك فيه، إن حرب العراق في عام 2003 هي حرب غير عادلة من منظور نظرية الحرب العادلة.
أما النظرية الواقعية التقليدية فإنها ترى أن الدافع الحقيقي وراء الحرب يتمثل بتحقيق المصلحة القومية الأمريكية، وأن العراق كان يمثل تهديداً لمصالح الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة. في حين ركزت الرؤية الواقعية الجديدة على تأثير بنية النظام الدولي في توجه الدول نحو الحروب، وسعيها لتعظيم قوتها بسبب فوضوية النظام الدولي، ومن ثمَّ فإن بنية النظام الدولي دفعت الولايات المتحدة لإحتلال العراق من أجل تعظيم قوتها وقدراتها، في ضل عدم معرفة نيات العراق الذي كان بمثابة خصم غير موثوق به.
وتذهب الرؤية الليبرالية التقليدية إلى أن المبرر الذي دفع الولايات المتحدة للحرب هي الدوافع الإنسانية، لأنها ستحرر العراقيين من إستبداد النظام الدكتاتوري والانتهاكات التي كان يتعرض لها، ونشر قيم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان. بينما يرى رواد النظرية الليبرالية الجديدة أن تجاهل دور المؤسسات الدولية وقراراتها، هو ما أدى إلى الحرب في نهاية المطاف.
وتختلف رؤية النظريات غير الوضعية عن رؤية النظريات الوضعية، فترى هذه النظريات أن أسباب الحرب ليست موضوعات معطاة، وقابلة للملاحظة، بل إنها موضوعات يكونها الفهم المشترك أو الذهن من خلال الخطاب أو اللغة أو القيم أو الطبيعة الجندرية أو التصورات الذاتية لصانع القرار أو المراقب. إذ ترى النظرية البنائية أن تهديد أسلحة الدمار الشامل شُكِّلَ إجتماعياً وضُخِّمَ لتسويغ قرار الحرب على العراق، فلا تعتمد المخاطر الأمنية التي تواجهها الولايات المتحدة على كمية أسلحة الخصم ونوعها ووجودها المادي فحسب، بل على التهديد الذي يُبنى إجتماعياً، كما أن التهديد والخطر الذي يمثله العراق شُكِّل من خلال الخطاب السياسي للسياسيين والعسكريين في إدارة الرئيس السبق بوش.
أما الرؤية النسوية للحرب فإنها ترى أنها نتاجاً للطبيعة الذكورية لصناع القرار الذين يسعون إلى تحقيق القوة والسيطرة على الآخرين. وهذا ما يُمكن تلمسه عندما رفضت الإدارة الأمريكية كل مساعي التهدئة والسلام، وعدَّت أن الحل الدبلوماسي مع نظام صدام حسين يمثل حالة ضعف تُحفِّز هذا النظام لتحدي الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط. وتذهب المدرسة الإنكليزية إلى أن السبب الحقيقي وراء الحروب، كالحرب على العراق، هو قيام دولة ما بمساعي لتعديل التوازن الدولي القائم، فعلى سبيل المثال، ترى بعض الدول العظمى أن العراق اتبع سياسات وأعمال تُعدُّ بأنها مزعزعة للأمن والسلم الدوليين، كسعيه لإمتلاك أسلحة الدمار الشامل، وإقامة سلسلة من العلاقات مع الجماعات الإرهابية.
ويؤمن المنظرون ما بعد البنيويون أن الحرب على العراق والطريقة التي سارت فيها والنتائج التي توصلت إليها قد تكونت من خلال الخطاب واللغة والتمثيلات التي تبناها صناع القرار الأمريكي. وركزت النظرية النقدية على الأسباب الإقتصادية لحرب العراق، التي كانت نتاجاً للتوجهات الإمبريالية للولايات المتحدة، لاسيما بعد تفردها في الساحة الدولية، كما سعت إلى توسيع مناطق نفوذها حول العالم، لاسيما إقليم الشرق الأوسط الغني بالنفط.
الخاتمة
يتبين أن العلاقة بين القيم والمصالح في السياسة الخارجية هي علاقة تقوم على التأثير والتأثر فيما بينهما، وتبين أيضاً أن للقيم أهمية ووظائف وأدوار متعددة في سبيل تحقيق المصالح القومية، تمثلت بالأدوار (الذرائعية والتوجيهية، والتحفيزية، والتقييمية). كما أن هذه الأدوار التي تؤديها القيم في تحقيق المصالح القومية ليست بمستوى واحد، أو ذات نتائج متشابهة، بل أن بعض هذه الأدوار ذات تأثير إيجابي في تحقيق المصالح القومية والبعض الأخر ذات تأثير سلبي. فالدور الذرائعي مثلاً ذو تأثير سلبي فيما يتعلق بالسلوك السياسي الخارجي تجاه الدول الأخرى، كالتدخل العسكري في شؤون الدول بذريعة حفظ القيم الإنسانية وحماية المدنيين، على الرغم من الدور الايجابي الذي يمثله هذا الدور فيما يتعلق بتحقيق المصالح القومية للدول التي تتدخل في شؤون الدول الأخرى. كما أن الدور التحفيزي للقيم ذو تأثير ايجابي في دفع صانع القرار وتحفيزه لتحقيق مصالح دولته، في الوقت الذي يكون فيه الدور المحدد ذا تأثيرٍ سلبي في وضع المحددات القيمية أمام سلوك صانع القرار، ومن ثَمَّ في سعيه لتحقيق المصلحة القومية.

اترك تعليقاً