لمن ينصح بهذا الكتاب؟
للنقّاد والمثقفين والمراقبين، ولكل قارئ يهتم بالإعلام وخطره على الأجيال القادمة إن لم يُسْتَخْدَم كما يجب.
عن الكتاب
كتاب (الإعلام وتشكيل الرأي العام وصناعة القيم) تأليف مجموعة من المفكرين والباحثين، تحرير عبدالإله بلقزيز. وهو من المؤلفات الفكرية الهامة التي تسلط الضوء على الإعلام وتطوره، وعلاقته بتكوين الرأي العام في المجتمعات، وعلاقته بالديمقراطية والحرية.
المؤلف
مجموعة مؤلفين.
ماذا سنتعلم من هذا الكتاب؟
- تطور وسائل الإعلام.
- نظرية وسائل الإعلام الجماهيرية وثقافة الجماهير.
- الإعلام الجديد وتفعيل الممارسة السياسية.
- المد الرومانسي في الإعلام الجديد.
- نقد محتويات القنوات الفضائية العربية.
- التقليد الإعلامي الأعمى للغرب.
المقدمة
أن لوسائل الإعلام والاتصال بالغ الأثر في تنميط الإدراك، وتشكيل الأذواق والمعايير والآراء، وتوجيهها حسب ما يريد القائمين عليها. لأن هذه الوسائل أصبحت اليوم تقوم بما كانت تقوم به المؤسسات الاجتماعية والمدارس والأسر من تنشئة. ولهذه تأثيرات فعالة بسبب أدوت الخطاب الإعلامي والإلكتروني الجديدة، وفي مقدمتها الصورة، وهي الأنجح في إيصال الرسائل، وأقدر على شد الانتباه، وإيقاف حس النقد في عملية التلقي. وعلي الرغم من أن الثورة الجديدة في الإعلام والاتصال، وفرت للجيل المعاصر الموارد المعرفية والمعلوماتية، وسهلت له سبل التواصل مع العالم الخارجي، وكسرت الحواجز الحائلة بينه وبين علم المعلومات والمعارف الفسيح، ورفعت المعدل الثقافي والسياسي العامين، إلا أن لها تأثيرات سلبية كتنميط الوعي والأذواق والمعايير في نمط واحد مهيمن، وإنتاج قيم جديدة شوهاء ومتنافرة، وتمزيق الروابط الاجتماعية، وتنمية قيم العنف والكراهية بين أبناء المجتمع الواحد، وتزييف الوعي وتغليطه.
وثمة متغيرات هائلة تنتج وتتولد بشكل متواصل، في خضم ثورة الإعلام والاتصال، متضمنة أبعادا شتى إيجابية وسلبية.
تطور وسائل الإعلام
الإعلام مصطلح يشير إلى نقل المعارف والرسائل بين الأشخاص. ويعد الكتاب أحد وسائل الاتصال التقليدية التي انتشرت في أوروبا في منتصف القرن الثامن عشر، وكان اقتناؤه مقتصراً على الطبقات المستنيرة في المجتمعات الغربية، التي امتلكت الإمكانات المالية اللازمة لاقتنائه لارتفاع ثمنه، بسبب اعتماد طباعته على عائلات احتكرت أعمال الطباعة وبنسخ محدودة. ولكن بعد التحول لكتب الترفيه وكتب العلماء، ومع ظهور الإشهار، خُفِّضَتْ أسعار الكتب بشكل لافت. ومع ظهور الصحافة وسبب الإشهار، تطورت الطباعة وارتفع هامش الحرية في أوروبا وأمريكا آنذاك.
وفي مسار آخر، أدى تطور تكنولوجيا الصورة والصوت، في بداية القرن العشرين، إلى أن تصبح السينما وسيلة أساسية لنقل الرسائل والقيم والفنون والمسرح والموسيقى. وفي منتصف القرن العشرين ومابعده، تطورت التكنولوجيا تطوراً متسارعاً، انطلاقاً من اختراع المذياع ثم التلفزة إلى شبكات الاتصال وصولاً إلى البث الفضائي والهواتف النقالة وشبكة الإنترنت.
نظرية وسائل الإعلام الجماهيرية وثقافة الجماهير
شهدت النظريات المحاولة تحليل وتفسير أدوار وسائل الإعلام تغيرات مهمة، وقد بلغت تلك النظريات ما يقرب 150 نظرية، منها نظرية فرانكفورت ونظرية الأثر المحدود لوسائل الاتصال الجماهيري وثقافة الجمهور، ونكتفي باستعراض الأخيرة.
بعد ظهور المطابع المنتجة للصحف القابلة للبيع بأسعار مخفضة للجمهور، أخذ القراء في الازدياد. وقد نظر الكتّاب بتشاؤم إلى ما يمكن أن تؤدي إليه وسائل الاتصال من مساوئ في تقويض النظام الاجتماعي القائم والمؤسسات الديمقراطية، وتهديد ثقافة وقيم المجتمع القروي الذي شكل الأغلبية وكان في منافسة مع المجتمع الحضري في المدن، بسبب ما عرفته الدول الغربية من عمليات تصنيع كبرى أدت إلى انتقال مركز الثقل من القرية إلى المدينة، وخاصة الهجرة المتصاعدة من البادية إلى ضواحي المدن الصناعية، من أجل الحصول على العمل وما يقدمه التحضر من نمط حياة جديدة. وقد بالغ أصحاب هذه النظرية في التأثير الذي تسببه وسائل الاتصال الجماهيري في قدرتها على إحداث تغيرات مجتمعية وثقافية، وإن الجماهير تتأثر بسرعة بالرسائل التي تتضمنها تلك الوسائل، وبعدم القدرة على مقاومتها.
المد الرومانسي في الإعلام الجديد
إن التحدث عن الرومانسية في الإعلام الجديد، لا يعني أن نخصّ نوعاً معيناً من الإنتاج الإعلامي، ولا نمطاً محدداً تميزت به الصناعات الإعلامية، ولا أعمالاً فكرية بعينها، بل يعني الطبيعة الحسّية الداخلية للباثّ، بالمعنى الإعلامي والاجتماعي للمصطلح، بوصفه منتجاً للمعنى. فهي، كما كتب بودلير عن رومانسية عصره، ليست بالخارج، بل هي مكنونة في الداخل، ومن العبث البحث عنها خارج هذا الموطن.
وبما أنها مكنون داخلي، تبقى الرومانسية الإعلامية مُنَاخًا عاماً يسود مجتمع ما بعد الحداثة، أو المجتمع المتعدد الثقافات الذي برزت فيه الفردانية (كقوة مجهولة غير قابلة للتحكم)، تجلت صورها اقتصادياً وسياسياً وفنياً وإعلاميا. أما بالنسبة للكلاسيكيين، فالعقل هو واجب وجود الإنسان وطريقه لبلوغ الكمال والسيطرة على الطبيعة، حسب زعم ديكارت، في اعتبار الإنسان ذاتاً عاقلة، وجوهراً مُفَكِّرًا قادراً على الإدراك.
تمنح الرومانسية أفضلية للحس عن العقل في أكثر من مجال، تؤسس بلاغة تستوعب الحس والخيال، حيث عبر عنها روسو، رائد هذا التيار، بقوله: إن الخيال هو الذي يبسط لنا نطاق الممكنات ويغذي الرغبات بأمل تلبيتها. وَتُخَيِّم الرومانسية اليوم على منظومة الإعلام الجديد، مصيبة بثوريتها وجنونها بنية القواعد الإعلامية والاتصالية الجماهيرية، مُزَعْزَعًا لضوابط صناعة المضمون.
ولقد أفلتت أشكال الكتابة الإعلامية، في الإعلام الجديد من الضبط اللساني والتقني، ومن القواعد المنظّمة لبناء المعنى بمختلف الوسائط الإعلامية، لكي يظل الإعلام فِعْلاً عامياً وشعبياً (دارجاً)، يمارسه من هب ودب ممن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة الرقمية. إن مشهد ضوابط الكتابة الصحفية قد اختفى جزئياً من دورة الإعلام الجماهيري، ليظل السمة البارزة للإعلام الفردي الذي أدى دوراً هاما في التغطية الإعلامية للثورات العربية، وبات الأكثر إثارة ذلك الذي تنقله للجماهير (صور باللهجة الدارجة). وبينما كانت اَلرُّومَانْسِيَّة، في القرن التاسع عشر، هروباً من الواقع إلى الخيال، فإن رُومَانْسِيَّة القرن الحادي والعشرين، منغمسة في الحاضر، رغم محاولة الإفلات من الواقع المزيف المصنوع من قبل مؤسسات الاتصال الجماهيري.
نقد محتويات القنوات الفضائية العربية
إن ما يدعو للاستغراب والدهشة معاً، إن معظم برامج القنوات الفضائية العربية هي نسخ من برامج غربية، وكأن قريحة الإبداع العربي معطلة ومكتفية بالاقتباس وإعادة عرض ابداعات الغرب. وما يلفت النظر ايضاً أن القنوات العربية منذ نشأتها راحت تزيد من ساعات البث، حيث بلغ مجموع ساعات البث في القنوات العربية في مطلع التسعينيات الى نحو 438 الف ساعة سنوياً، على الرغم من أن المحتوى العربي المنتج آنذاك لم يكن يكفي ربع ساعات البث.
ومما يزيد الطين بلة، ضعف التبادل والتنسيق البرامجي بين البلدان العربية، حيث أكدت اليونيسكو أن محطات العربية تستورد من الدول الأجنبية، وبالذات أمريكا، من 40 إلى 70% من مجموع برامجها. وتقدر البرامج التي تستهدف الأطفال والشباب بـ 52،3 %، أما البرامج الإخبارية فتستحوذ على 16،3%، بينما البرامج الثقافية لا تتعدى الـ 11،9%.
إن المشاهد للقنوات الفضائية العربية يجد غلبة الطابع الترفيهي على إنتاجها البرامجي المقلد للغرب، ومثالاً على ذلك الفيديو كليب الذي يبث على القنوات العربية، والذي تقدم فيه المرأة كسلعة للعرض وجذب الانظار نحوها للترويج للسلع الاستهلاكية التي يكون الهدف منها الربح السريع. والمثير للأسف إن معظم القنوات الفضائية العربية انحرفت عن الأهداف السامية التي انبثقت من أجلها، مثل خدمة المشاهد العربي، وتلبية رغباته وحاجاته، وتغطية الفراغ والعجز الذي كان سائداً في وجود القنوات الحكومية والغربية.
إن معظم الشعارات التي رفعتها القنوات الغربية، والعربية الخاصة، في بداية البث سرعان ما سقطت وانزاح القناع الذي ارتدته ليظهر الوجه الحقيقي لهذه القنوات، التي تروج لثقافة العري والتهريج واثارة الغرائز والشهوات لدى الشباب والمراهقين. بينما اتجهت بعض القنوات الاخرى الى التهريج السياسي، والتدخل في عالم الاستخبارات والجاسوسية، كحرفة للتكسب، وخدمة الاغراض الاستعمارية عبر التدخل في شؤون الدول لبث الفوضى السياسية والتململ الاجتماعي بالتحريض والتشكيك.
التقليد الإعلامي الاعمى للغرب
إن نسبة البرامج الترفيهية المستوردة من الغرب في القنوات العربية، تبلغ 88%، وهي تحمل قيم صنّاعها الغربيين، تتناقض مع القيم الاجتماعية الاصيلة للمجتمعات العربية، أما نسبة المستورد من البرامج الثقافية، فهي لا تتجاوز 12%.
ومن الأمور الخطيرة، ظهور برنامج (تلفزيون الواقع) في القنوات العربية، المنقول عن التجربة الغربية، القائم على فضح خصوصيات الناس أمام اعين المشاهدين في بيوتهم و بما يرضي حب الظهور لدى الضيف، وحب اللصلصة عند المضيف.
وعلى الرغم من النجاح الكبير الذي لاقاه هذا العمل، إلا أن الانتقاد كان أكبر، وتعود فكرة هذا البرنامج إلى رواية جورج أورويل التي انتشرت عام 1949 حول نظام بوليسي قادر على مراقبة كل تحركات المجتمع ومعرفة افكاره، ويكون مسؤولا عن هذا النظام الأخ الأكبر الذي يدعي حرصه على المجتمع، ولكنه في الواقع يعمل للسيطرة عليه وكبت أفكاره الاستقلالية.
ولقد تم العمل بهذا المبدأ الذي اعتمد في حبكة هذه الرواية في بناء برنامج تلفزيون الواقع، حيث تم استخدام كاميرات مراقبة 24 ساعة، على أفراد مأسورين متطوعين، على أن يعيشوا سوياً في مكان مقفل ومنقطع عن العالم. وبدهاء أرضت قناتا (ال بي سي ) و (المستقبل) عبر هذا البرنامج مشاعر المشاهدين.
مثال آخر على مفارقات التقليد، الغير المدروس والاعمى للغرب، برنامج (افتح قلبك) الذي كان يبث على قناة (ال بي سي). هذا البرنامج المقلد للأجنبي، في الأصل كان قد اُعدّ لمجتمع ضعفت فيه الروابط الاسرية والعائلية، واصبح التلفزيون هو الحل البديل عن تلك الروابط الحميمية. هذه البرامج المقلدة، والمُدرة ارباحاً هائلة للمحطات المتواطئة مع شركات الاتصال وشركات الإعلان، لم يعُد منعها تحت عنوان القيم والأخلاق ذو جدوى، فقد ابتكرت القنوات العربية اساليب اقناع وتحايل تجاه مجتمعاتها، موهمة المشاهدين أن الهدف من هذه البرامج هو اللحاق بركب الموضة الجديدة. وبالنسبة للتحرر الذي نراه في الفيديو كليبات، فقد فاق المتوقع وتخطى كل الحدود، ووصل إلى عتبات الاباحية.
الخاتمة
أظهرت التوجهات العالمية والعربية أن استخدام تكنولوجيا الإعلام الجديد في المجال السياسي، ساهم في دينامية جديدة للنشاط السياسي، إذ أصبحت الحواسيب وشبكات الإنترنت والهواتف النقالة… إلخ.، وبشكل سريع، أحد المستويات والمجالات الجديدة للممارسة السياسية.
ومع الإقرار بدورها في زيادة قدرات الناشطين والممارسة السياسية، فلا ينبغي المبالغة كَثِيرًا في أن تلك الأدوار، ستقوم بمقام الممارسة السياسية التقليدية. وفي مواضيع الإعلام التلفزيوني والبث الفضائي، فإن من صفوة القول إن القنوات الفضائية العربية، لا تعبر عن تطلعات المواطن العربي، وان تعدد هذه القنوات وتنوعها لا يكفي، بل لا بد من أن تكون هذه القنوات في مستوى فكري وفني يمكّنها من جذب المشاهد العربي، ومنافسة القنوات الأجنبية.
ولابد أن تكون هذه البرامج من نتاج عربي مشترك، ليجد فيها المشاهد العربي ما يعبر عن خصوصيته القُطرية، وهويته العربية، وطموحاته الإنسانية، لأن إمكانات أي دولة عربية وحدها تبقيها عاجزة عن مواجهة الاختراق الإعلامي الثقافي الوافد عبر الأقمار الصناعية، كما أن طبيعة الأنظمة العربية وتوجهاتها، وسلوكها القائم، ونظام الفكر السائد أعجز من توفير الأسلحة الضرورية، لان التصدي لهذه الظاهرة الإمبريالية لا يمكن أن يحقق النجاح إلا من خلال تحصين الذات العربية عبر عمل عربي مشترك مدروس بشكل عملي، ذي آفاق قومية عربية خالصة، باستثمار مشروع أقمار عربسات ونايلسات ونورسات، وغيرها من المشاريع ذات الصلة.

اترك تعليقاً